Monday, June 11, 2012
Saturday, June 2, 2012
من واحد وحتى ثمانية عن ستة سبعة ثمانية - عن فشل افلام المرأة
واحد.. قبل أعوام طويلة،
وبالتحديد عام 1975 شغل فيلم “أريد حلا” الرأي العام المصري بسبب القضية
الشائكة التي يناقشها، وقيل أنه كان سببا رئيسيا في تعديل قانون الأحوال
الشخصية المتعلق بقضايا الطلاق والنفقة. ما يهمنا أنهم وقتها سألوا المخرج
العظيم شادي عبد السلام عن رأيه في الفيلم فصدم الجميع بتحفظه على مستوى
الفيلم، بل وعلى فكرة مناقشة مثل هذه القضايا في السينما من الأساس.
وشادي عبد السلام الذي صنع فيلما روائيا واحدا دخل به التاريخ كان يعي جيدا معنى خروج فن السينما من حيز الوسيط البصري ليدخل مناطق خطابية وتوعوية هناك وسائل جماهيرية أخرى أكثر قدرة على خوضها. شادي عبد السلام تحسر وقتها على انزلاق مخرج بهامة سعيد مرزوق إلى وضع يفقد فيه أهم أسلحته وهي اللغة السينمائية، والحقيقة إن بُعد نظر عبد السلام يبدو جليا لمن يلاحظ أن سعيد مرزوق لم يعد أبدا كما كان قبل “أريد حلا”، والرجل الذي أبهر الجميع بسرد بصري بديع في “زوجتي والكلب” تنازل تدريجيا حتى وصل به الحال لإخراج أفلام مثل “الدكتورة منال ترقص”!
اثنان.. رويت الحكاية السابقة فقط لأوضح موقفي الشخصي –والمتسق مع موقف أدبيات فن السينما- من فكرة صناعة فيلم يناقش قضية مجتمعية، الأمر ببساطة أنك كلما أخذت خطوة بعيدا عن فن الصورة وباتجاه فن الكلمة فأنت تجرد عملك مما يربطه بوسيطه الأساسي، لا فارق في هذا المبدأ بين سيناريو جيد وآخر ضعيف، فأنا أقصد قاعدة سردية لا علاقة لها بمضمون “المقال المرئي” للفيلم التوعوي. ولكن وللإنصاف إذا كان شادي عبد السلام قد انحاز لفن السينما على حساب سيناريو جيد مثل “أريد حلا”، فلابد أن أكون أكثر انحيازا أمام سيناريو أكثر ضعفا مثل “678″.
ثلاثة.. وصف السيناريو بأنه “أكثر ضعفا” ليس تجنيا، فبداية يعاني الفيلم من أزمة ضخمة تتعلق ببناء شخصيات الخط الدرامي الرئيسي ودوافع شخصياته، وأقصد هنا حكاية فايزة وزوجها (بشرى وباسم سمرة)، فالكاتب والمخرج محمد دياب اختار هذه الحكاية لتكون بدايتها هي نقطة انطلاق الأحداث مع تقديم وتأخير سردي لبدايات الحكايتين الموازيتين، وهو الاختيار الذي غاب عنه التوفيق لما تعانيه الحكاية من عيوب، بداية من افتقادها لحدث مفجر حقيقي قادر على بدء الأحداث، فعندما تتحدث عن موظفة معدمة تنتمي لمنطقة شعبية متزوجة ولديها طفلين، وقياسا على منطق الفيلم نفسه، فإن هذه السيدة تعرضت للتحرش من قبل مئات المرات، وهو ما يجعل عملية التحرش التي بدأت بها الأحداث –وإن كانت جيدة التصوير- غير كافية إطلاقا لتكون حدثا يغير من سلوك الشخصية ويدفعها لاتخاذ قرار مصيري، فبدا أن فايزة قررت عقاب زوجها على عملية تحرش تتعرض له بشكل شبه يومي، ربما فقط لأنها تدرك أن الفيلم قد بدأ عند هذه اللحظة!
وفكرة عقاب الزوج نفسها هي المشكلة الثانية للحكاية، فلا تمتلك الشخصية دوافع كافية لاتخاذ هذا القرار، ولا التمنع عن الزوج أساسا رد فعل منطقي للتعرض إلى التحرش، خاصة عندما يكون الزوج شخصا مساندا ومتحملا للمسئولية مثل ما شاهدنا في الفيلم. وقرار فايزة لاحقا بالاعتداء على من يتحرش بها يبدو أكثر منطقية وتوائما مع دوافع صاحبته من قرار النشوز، لذلك كان تطور الأحداث بعد رد فعلها العنيف أكثر قوة وجذبا من التطور الضعيف لعلاقتها بزوجها. لا داعي هنا للإشارة إلى رد فعل الزوج الهزلي بالتحول إلى متحرش، فهو تطور اختاره الكاتب لأسباب أخلاقية سأقوم بتوضيحها لاحقا.
أربعة.. يعاني السيناريو كذلك من أزمة كشف واضحة، فمعظم محاولات الكاتب لإظهار معلومة أو لتوضيح وجهة نظر جاءت بشكل منافي لمنطق الحياة اليومية في مصر، فمشهد المتحرش “أبو لمونة” غير وارد الحدوث لأنه ليس من المنطقي أن يترك رجل سيارته الخاصة ويركب أتوبيس نقل عام بهدف التحرش، ومشهد كارت الشحن والوصول لأول من اعتدت عليه فايزة غير وارد لأنه ليس من المنطقي أن يدخل شاب إلى المستشفى فيخرج دون بنطلونه، أما الطامة الكبرى فكانت مشهد الاستاد شديد الفجاجة، بداية من الوصف الكوميدي لسمات المتحرش، وصولا لقيام البطلات بتشجيع منتخب زامبيا وسط مدرج مشجعي مصر!. لا مجال هنا للتفكير فيما أراده الكاتب من توصيل رسالته بأن التحرش يؤدي لعدم الانتماء، ليس فقط بسبب فجاجة طريقة التعبير عن هذه الرسالة، ولكن أيضا لأن الواقع يقول إن هذا التصرف لو حدث بالفعل لأدركت السيدات الثلاث المعني الحقيقي للتحرش وربما للاغتصاب كذلك!
خمسة.. الملاحظات السابقة –وغيرها الكثير- ليست محاولة مني لتصيد لأخطاء الفيلم أو تعمدا لتشويهه، ولكنها أمور لابد من التركيز عليها والتعامل معها بمنتهى الجدية لثلاثة أسباب: السبب الأول قلته في البداية، وهو أن المخرج ارتضى أن يتخلى عن فن الصورة لحساب الحكاية والقضية والرسالة، وعليه طبقا لهذا القرار الشجاع أن يظهر اختياره في الشكل الأمثل.
السبب الثانى هو إننا نتعامل في الدراما دائما مع شخصيات وأماكن لا مع رموز، وبالتالي فإن البطلات وإن كن رمزا لسيدات مصر والجمهور وإن كان رمزا للمتحرشين والاستاد وإن كان رمزا للوطن، فسيبقى في الدراما البطلة بطلة والاستاد استادا، وعلى تصرفات الشخصيات أن تنبع “ممن تكونه” لا من “مما ترمز إليه”.
السبب الثالث هي الحقيقة التي لا يزال الكثيرون يرفضون الاقتناع بها، وهي إن هذه التفاصيل المنطقية أكثر أهمية من كل شيء فيما يتعلق بتوحد المشاهد مع شريط الفيلم، والمشاهد يحتاج لحد أدنى من الوعي والخلفية الثقافية لكي يمتلك حكما نقديا سليما ويلاحظ أي عيوب في بناء الفيلم الدرامي أو حبكته أو تكوين مشاهده، لكنه لا يحتاج أي شيء ليلاحظ الهفوات المنطقية، سواء على مستوى الصورة أو الحكاية، وذلك لأن تمييز هذه الأخطاء يتم تلقائيا في عقله الباطن دون بذل أي جهد تجاه الأمر. ويكفي أن أقول أن الملاحظات الثلاث التي ذكرتها في النقطة السابقة سمعتها من أفراد جالسين بالقرب مني في قاعة السينما لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بفن الدراما أو النقد.
ستة.. على الصعيد الإخراجي اختار المخرج أن يصور فيلمه بالكامل تقريبا بكاميرا محمولة مهتزة، وأن يتم تكوين معظم اللقطات بشكل غير معتاد به الكثير من لقطات التلصص ولقطات فوق الكتف “أمورس”. ولا غبار على كون حجم اللقطات وزواياها وتكوينها وطريقة تصويرها كلها أمور تدخل في نطاق اختيارات المخرج ولا يجوز لأي كائن أي كان أن يحجر على هذا الاختيار أو يقول لصانع الفيلم أنه كان عليه أن يصور لقطاته بشكل آخر. ولكن ما أحاول أن أفعله هنا هو التوصل لما أراده محمد دياب من هذه الاختيارات. فإذا كان اختيار الكاميرا المحمولة ولقطاتها المهتزة دائما للإيحاء بالتوتر وجو التحفز والخطر المستمر الذي تعيشه السيدات في مصر، فلم استمر في استخدام نفس التكنيك في مشاهد لا تحمل نفس الحالة النفسية؟. وإذا كانت زوايا التلصص لتعطي انطباعا بأن الفيلم يناقش أمور مسكوت عنها لا يتم قولها أو التصريح بها في العلن، فلماذا استخدمت نفس طريقة التكوين في مشاهد “ذكورية” من النوع الذي يتشدق المجتمع به علنا؟. هي مجرد تساؤلات عن الطريقة التي اختارها المخرج لفيلمه وهو الأدرى بالمقصود بها، وكل ما أتمناه ألا يكون الهدف الوحيد هو خلق طابع بصري مميز لمحمد دياب نفسه لا للفيلم، لأن هذه هي الحالة الوحيدة التي ينبغي فيها أن نتوقف للنقد والاعتراض.
سبعة.. يعتقد من يشاهد الفيلم دون تدقيق أن الفيلم ينتصر للمرأة ويتبنى وجهة نظرها ضد المجتمع الذكوري الذي يتعامل معها كأداة لتفريغ الرغبات الجنسية، وأن صناع الفيلم ينتصرون للمرأة بمشهد المحاكمة الختامي ورفض نيللي (ناهد السباعي) التنازل عن قضيتها. ولكن الحقيقة على العكس من ذلك تماما، وتحت هذا الغلاف البراق من نصرة المرأة فالفيلم محمل برسالة شديدة التزمت، مفادها إن المرأة مسئولة بشكل ما عما يحدث لها من تحرش، وبعيدا عن مشهد النهاية الذي صنع لغرضين أولهما “السوكسيه” الجماهيري وثانيهما الحصول على نهاية مناسبة لفيلم كان من الممكن أن تستمر أحداثه بلا نهاية، فالرسالة الأخلاقية أو “المورال” الخاص بالفيلم قد تم طرحه في ثلاثة مشاهد سابقة، أولها مشهد الحوار المكتوب بتحيز واضح والذي تسهب فيه فايزة في اتهام صبا بأن أمثالها من سافرات الشعر ومرتديات الملابس المكشوفة بأنهم السبب الرئيسي في التحرش الذي يصيب من هن أطهار خيرات ملتزمات، بينما ترد صبا ردا ركيكا بأن فايزة تتمسك بآراء متخلفة! مشهد كهذا كان من الممكن أن يكون حوارا خلاقا ومثيرا للتفكير إذا ما طرحه الكاتب بحياد، وإذا ما التزم فيه ببناء شخصياته التي كانت صبا هي الطرف الأكثر لباقة وقدرة على النقاش بينها في كامل زمن الفيلم ما عدا هذا المشهد، ولكن الكاتب اختار أن يحمل الأمر بوجهة نظره الشخصية، وتلاه بمشهد تطهيري تقوم فيه صبا بقص شعرها كدليل على الاعتراف بالخطأ، ثم مشهد ثالث تشاهد فيه فايزة زميلتها المحجبة العزباء تستمتع بالتحرش، وهو مشهد في ظاهره اكتشاف فايزة لأن المحجبات قد يشجعن على التحرش أيضا، ولكن في باطنه رسالة أخلاقية أخرى هي احترام الزوج صيانة للمجتمع الإسلامي، وبالتالي فرد فعل فايزة يكون العودة عن قرارها بهجر زوجها في الفراش، في نفس الوقت الذي كان الزوج قد تحول فيه -لنفس الأسباب الأخلاقية كما أشرت مسبقا- إلى متحرش، لتكون رسالة الفيلم الحقيقية كما توصلها الدراما هي: السفور والملابس المكشوفة سبب رئيسي للتحرش، فعلى الفتيات الالتزام في ملابسهن، ولكن بعض الملتزمات يستجبن للتحرش بسبب صعوبة الزواج، فعلى من وفقها الله لزوج يصونها أن تراعيه هي الأخرى وتحمد الله على نعمة الستر!
ثمانية.. بعد كل النقد السلبي لا بد وأن أشير إلى الإيجابيات، وعلى رأسها ظهور مخرج مؤلف مصري جديد، وأنا أؤمن دائما بأن المخرجين الذي يكتبون أفلامهم هم دائما الأفضل والأكثر تأثيرا، وهم صناع الحركات السينمائية ومجددو الفن، قد تكون التجربة الأولى لمحمد دياب مهتزة بعض الشيء لكن الاستمرار لابد وأن يفرز تجارب أكثر نجاحا، خاصة وأن التجربة وبرغم مشكلاتها تجربة جادة بالفعل وتحمل رغبة واضحة لصنع فيلم جيد ومختلف عن التيار السائد.
أمر إيجابي آخر هو قدرة المخرج ومعه المونتير على المحافظة على إيقاع مناسب على مدار معظم أوقات الفيلم، وقدرته على تصوير المشاهد ذات الإيقاع السريع والمحملة بالخوف بشكل متميز، سواء المشاهد داخل الاتوبيس أو المشهد الرائع للاعتداء على نيللي، وأخيرا التألق الذي أصبح سمة مميزة لأداء النجم ماجد الكدواني في أي دور يقوم به، ففي كل مرة يثبت ماجد أنه لا يزال يمتلك الكثير لم يريه لنا بعد، ونحن في الانتظار
وشادي عبد السلام الذي صنع فيلما روائيا واحدا دخل به التاريخ كان يعي جيدا معنى خروج فن السينما من حيز الوسيط البصري ليدخل مناطق خطابية وتوعوية هناك وسائل جماهيرية أخرى أكثر قدرة على خوضها. شادي عبد السلام تحسر وقتها على انزلاق مخرج بهامة سعيد مرزوق إلى وضع يفقد فيه أهم أسلحته وهي اللغة السينمائية، والحقيقة إن بُعد نظر عبد السلام يبدو جليا لمن يلاحظ أن سعيد مرزوق لم يعد أبدا كما كان قبل “أريد حلا”، والرجل الذي أبهر الجميع بسرد بصري بديع في “زوجتي والكلب” تنازل تدريجيا حتى وصل به الحال لإخراج أفلام مثل “الدكتورة منال ترقص”!
اثنان.. رويت الحكاية السابقة فقط لأوضح موقفي الشخصي –والمتسق مع موقف أدبيات فن السينما- من فكرة صناعة فيلم يناقش قضية مجتمعية، الأمر ببساطة أنك كلما أخذت خطوة بعيدا عن فن الصورة وباتجاه فن الكلمة فأنت تجرد عملك مما يربطه بوسيطه الأساسي، لا فارق في هذا المبدأ بين سيناريو جيد وآخر ضعيف، فأنا أقصد قاعدة سردية لا علاقة لها بمضمون “المقال المرئي” للفيلم التوعوي. ولكن وللإنصاف إذا كان شادي عبد السلام قد انحاز لفن السينما على حساب سيناريو جيد مثل “أريد حلا”، فلابد أن أكون أكثر انحيازا أمام سيناريو أكثر ضعفا مثل “678″.
ثلاثة.. وصف السيناريو بأنه “أكثر ضعفا” ليس تجنيا، فبداية يعاني الفيلم من أزمة ضخمة تتعلق ببناء شخصيات الخط الدرامي الرئيسي ودوافع شخصياته، وأقصد هنا حكاية فايزة وزوجها (بشرى وباسم سمرة)، فالكاتب والمخرج محمد دياب اختار هذه الحكاية لتكون بدايتها هي نقطة انطلاق الأحداث مع تقديم وتأخير سردي لبدايات الحكايتين الموازيتين، وهو الاختيار الذي غاب عنه التوفيق لما تعانيه الحكاية من عيوب، بداية من افتقادها لحدث مفجر حقيقي قادر على بدء الأحداث، فعندما تتحدث عن موظفة معدمة تنتمي لمنطقة شعبية متزوجة ولديها طفلين، وقياسا على منطق الفيلم نفسه، فإن هذه السيدة تعرضت للتحرش من قبل مئات المرات، وهو ما يجعل عملية التحرش التي بدأت بها الأحداث –وإن كانت جيدة التصوير- غير كافية إطلاقا لتكون حدثا يغير من سلوك الشخصية ويدفعها لاتخاذ قرار مصيري، فبدا أن فايزة قررت عقاب زوجها على عملية تحرش تتعرض له بشكل شبه يومي، ربما فقط لأنها تدرك أن الفيلم قد بدأ عند هذه اللحظة!
وفكرة عقاب الزوج نفسها هي المشكلة الثانية للحكاية، فلا تمتلك الشخصية دوافع كافية لاتخاذ هذا القرار، ولا التمنع عن الزوج أساسا رد فعل منطقي للتعرض إلى التحرش، خاصة عندما يكون الزوج شخصا مساندا ومتحملا للمسئولية مثل ما شاهدنا في الفيلم. وقرار فايزة لاحقا بالاعتداء على من يتحرش بها يبدو أكثر منطقية وتوائما مع دوافع صاحبته من قرار النشوز، لذلك كان تطور الأحداث بعد رد فعلها العنيف أكثر قوة وجذبا من التطور الضعيف لعلاقتها بزوجها. لا داعي هنا للإشارة إلى رد فعل الزوج الهزلي بالتحول إلى متحرش، فهو تطور اختاره الكاتب لأسباب أخلاقية سأقوم بتوضيحها لاحقا.
أربعة.. يعاني السيناريو كذلك من أزمة كشف واضحة، فمعظم محاولات الكاتب لإظهار معلومة أو لتوضيح وجهة نظر جاءت بشكل منافي لمنطق الحياة اليومية في مصر، فمشهد المتحرش “أبو لمونة” غير وارد الحدوث لأنه ليس من المنطقي أن يترك رجل سيارته الخاصة ويركب أتوبيس نقل عام بهدف التحرش، ومشهد كارت الشحن والوصول لأول من اعتدت عليه فايزة غير وارد لأنه ليس من المنطقي أن يدخل شاب إلى المستشفى فيخرج دون بنطلونه، أما الطامة الكبرى فكانت مشهد الاستاد شديد الفجاجة، بداية من الوصف الكوميدي لسمات المتحرش، وصولا لقيام البطلات بتشجيع منتخب زامبيا وسط مدرج مشجعي مصر!. لا مجال هنا للتفكير فيما أراده الكاتب من توصيل رسالته بأن التحرش يؤدي لعدم الانتماء، ليس فقط بسبب فجاجة طريقة التعبير عن هذه الرسالة، ولكن أيضا لأن الواقع يقول إن هذا التصرف لو حدث بالفعل لأدركت السيدات الثلاث المعني الحقيقي للتحرش وربما للاغتصاب كذلك!
خمسة.. الملاحظات السابقة –وغيرها الكثير- ليست محاولة مني لتصيد لأخطاء الفيلم أو تعمدا لتشويهه، ولكنها أمور لابد من التركيز عليها والتعامل معها بمنتهى الجدية لثلاثة أسباب: السبب الأول قلته في البداية، وهو أن المخرج ارتضى أن يتخلى عن فن الصورة لحساب الحكاية والقضية والرسالة، وعليه طبقا لهذا القرار الشجاع أن يظهر اختياره في الشكل الأمثل.
السبب الثانى هو إننا نتعامل في الدراما دائما مع شخصيات وأماكن لا مع رموز، وبالتالي فإن البطلات وإن كن رمزا لسيدات مصر والجمهور وإن كان رمزا للمتحرشين والاستاد وإن كان رمزا للوطن، فسيبقى في الدراما البطلة بطلة والاستاد استادا، وعلى تصرفات الشخصيات أن تنبع “ممن تكونه” لا من “مما ترمز إليه”.
السبب الثالث هي الحقيقة التي لا يزال الكثيرون يرفضون الاقتناع بها، وهي إن هذه التفاصيل المنطقية أكثر أهمية من كل شيء فيما يتعلق بتوحد المشاهد مع شريط الفيلم، والمشاهد يحتاج لحد أدنى من الوعي والخلفية الثقافية لكي يمتلك حكما نقديا سليما ويلاحظ أي عيوب في بناء الفيلم الدرامي أو حبكته أو تكوين مشاهده، لكنه لا يحتاج أي شيء ليلاحظ الهفوات المنطقية، سواء على مستوى الصورة أو الحكاية، وذلك لأن تمييز هذه الأخطاء يتم تلقائيا في عقله الباطن دون بذل أي جهد تجاه الأمر. ويكفي أن أقول أن الملاحظات الثلاث التي ذكرتها في النقطة السابقة سمعتها من أفراد جالسين بالقرب مني في قاعة السينما لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بفن الدراما أو النقد.
ستة.. على الصعيد الإخراجي اختار المخرج أن يصور فيلمه بالكامل تقريبا بكاميرا محمولة مهتزة، وأن يتم تكوين معظم اللقطات بشكل غير معتاد به الكثير من لقطات التلصص ولقطات فوق الكتف “أمورس”. ولا غبار على كون حجم اللقطات وزواياها وتكوينها وطريقة تصويرها كلها أمور تدخل في نطاق اختيارات المخرج ولا يجوز لأي كائن أي كان أن يحجر على هذا الاختيار أو يقول لصانع الفيلم أنه كان عليه أن يصور لقطاته بشكل آخر. ولكن ما أحاول أن أفعله هنا هو التوصل لما أراده محمد دياب من هذه الاختيارات. فإذا كان اختيار الكاميرا المحمولة ولقطاتها المهتزة دائما للإيحاء بالتوتر وجو التحفز والخطر المستمر الذي تعيشه السيدات في مصر، فلم استمر في استخدام نفس التكنيك في مشاهد لا تحمل نفس الحالة النفسية؟. وإذا كانت زوايا التلصص لتعطي انطباعا بأن الفيلم يناقش أمور مسكوت عنها لا يتم قولها أو التصريح بها في العلن، فلماذا استخدمت نفس طريقة التكوين في مشاهد “ذكورية” من النوع الذي يتشدق المجتمع به علنا؟. هي مجرد تساؤلات عن الطريقة التي اختارها المخرج لفيلمه وهو الأدرى بالمقصود بها، وكل ما أتمناه ألا يكون الهدف الوحيد هو خلق طابع بصري مميز لمحمد دياب نفسه لا للفيلم، لأن هذه هي الحالة الوحيدة التي ينبغي فيها أن نتوقف للنقد والاعتراض.
سبعة.. يعتقد من يشاهد الفيلم دون تدقيق أن الفيلم ينتصر للمرأة ويتبنى وجهة نظرها ضد المجتمع الذكوري الذي يتعامل معها كأداة لتفريغ الرغبات الجنسية، وأن صناع الفيلم ينتصرون للمرأة بمشهد المحاكمة الختامي ورفض نيللي (ناهد السباعي) التنازل عن قضيتها. ولكن الحقيقة على العكس من ذلك تماما، وتحت هذا الغلاف البراق من نصرة المرأة فالفيلم محمل برسالة شديدة التزمت، مفادها إن المرأة مسئولة بشكل ما عما يحدث لها من تحرش، وبعيدا عن مشهد النهاية الذي صنع لغرضين أولهما “السوكسيه” الجماهيري وثانيهما الحصول على نهاية مناسبة لفيلم كان من الممكن أن تستمر أحداثه بلا نهاية، فالرسالة الأخلاقية أو “المورال” الخاص بالفيلم قد تم طرحه في ثلاثة مشاهد سابقة، أولها مشهد الحوار المكتوب بتحيز واضح والذي تسهب فيه فايزة في اتهام صبا بأن أمثالها من سافرات الشعر ومرتديات الملابس المكشوفة بأنهم السبب الرئيسي في التحرش الذي يصيب من هن أطهار خيرات ملتزمات، بينما ترد صبا ردا ركيكا بأن فايزة تتمسك بآراء متخلفة! مشهد كهذا كان من الممكن أن يكون حوارا خلاقا ومثيرا للتفكير إذا ما طرحه الكاتب بحياد، وإذا ما التزم فيه ببناء شخصياته التي كانت صبا هي الطرف الأكثر لباقة وقدرة على النقاش بينها في كامل زمن الفيلم ما عدا هذا المشهد، ولكن الكاتب اختار أن يحمل الأمر بوجهة نظره الشخصية، وتلاه بمشهد تطهيري تقوم فيه صبا بقص شعرها كدليل على الاعتراف بالخطأ، ثم مشهد ثالث تشاهد فيه فايزة زميلتها المحجبة العزباء تستمتع بالتحرش، وهو مشهد في ظاهره اكتشاف فايزة لأن المحجبات قد يشجعن على التحرش أيضا، ولكن في باطنه رسالة أخلاقية أخرى هي احترام الزوج صيانة للمجتمع الإسلامي، وبالتالي فرد فعل فايزة يكون العودة عن قرارها بهجر زوجها في الفراش، في نفس الوقت الذي كان الزوج قد تحول فيه -لنفس الأسباب الأخلاقية كما أشرت مسبقا- إلى متحرش، لتكون رسالة الفيلم الحقيقية كما توصلها الدراما هي: السفور والملابس المكشوفة سبب رئيسي للتحرش، فعلى الفتيات الالتزام في ملابسهن، ولكن بعض الملتزمات يستجبن للتحرش بسبب صعوبة الزواج، فعلى من وفقها الله لزوج يصونها أن تراعيه هي الأخرى وتحمد الله على نعمة الستر!
ثمانية.. بعد كل النقد السلبي لا بد وأن أشير إلى الإيجابيات، وعلى رأسها ظهور مخرج مؤلف مصري جديد، وأنا أؤمن دائما بأن المخرجين الذي يكتبون أفلامهم هم دائما الأفضل والأكثر تأثيرا، وهم صناع الحركات السينمائية ومجددو الفن، قد تكون التجربة الأولى لمحمد دياب مهتزة بعض الشيء لكن الاستمرار لابد وأن يفرز تجارب أكثر نجاحا، خاصة وأن التجربة وبرغم مشكلاتها تجربة جادة بالفعل وتحمل رغبة واضحة لصنع فيلم جيد ومختلف عن التيار السائد.
أمر إيجابي آخر هو قدرة المخرج ومعه المونتير على المحافظة على إيقاع مناسب على مدار معظم أوقات الفيلم، وقدرته على تصوير المشاهد ذات الإيقاع السريع والمحملة بالخوف بشكل متميز، سواء المشاهد داخل الاتوبيس أو المشهد الرائع للاعتداء على نيللي، وأخيرا التألق الذي أصبح سمة مميزة لأداء النجم ماجد الكدواني في أي دور يقوم به، ففي كل مرة يثبت ماجد أنه لا يزال يمتلك الكثير لم يريه لنا بعد، ونحن في الانتظار
أحمد شوقي
جريدة البديل بتاريخ 23 ديسمبر 2010
Wednesday, May 30, 2012
Tuesday, May 22, 2012
"تودد" و"الثورة التي لا تؤنث لا يعول عليها" (2): الضوء والمكان أو اللغة والمعنى / د. عبد الله البياري
"تدور ريتا حول ريتا وحدها:
لا أرض للجسدين في جسد، ولا منفى لمنفى إلا الوطن
في هذه الغرف الصغيرة، و الخروج هو الدخول
عبثا نغني بين هاويتين،
فلنرحل...
ليتضح السبيل
لا أستطيع، ولا أنا،
كانت تقول ولا تقول"
في هذه الغرف الصغيرة، و الخروج هو الدخول
عبثا نغني بين هاويتين،
فلنرحل...
ليتضح السبيل
لا أستطيع، ولا أنا،
كانت تقول ولا تقول"
(محمود درويش – أحد عشر كوكبا)
لعلَّ
شهرزاد في سردها الليلي الألف ويزيد بليلة، تؤرخ ماللحكي الأنثوي من فضاء
في الثقافة العربية –سابقا و لاحقا، هو فضاء يتحدد بعنصرين:
- الضوء.
- المكان.
فشهرزاد
لم يصلنا منها الحكي نهارا، بل أن صياح الديك بما يحمل من دلالات الفجر،
هو مبتدأ سكوتها وتحول حكيها "المباح" إلى "حرام" يستوجب الصمت، فالنهار هو
ملك الذكر، لا تنكشف فيه الأنثى، ولا تخرج إليه، إلا رمزا لا إنسانا في
نسق ذكوري اللغة. فزمنها محصور بالتمام و الكمال في الليل و العتمة، ومنه
كانت شهرزاد – و إن رآها البعض انتصارا أنثويا- استمرارا ثقافويا للذكورية و
الفحولة بانتصار أنثوي مرمز و مؤقت لايستوي لذاته بل لسياقه.
ولعل
الخنساء، تمثل انتصارا ثقافويا آخر للذكورة، ولكن بأدوات أنثوية –أيضا-،
فالخنساء التي خرجت بأبيات شعرها للنهار و الشعر في اصله ثورة ورفض وتمرد،
هاهي الثقافة تذكر فعلها الشعري النهاري فقط، في ظل الرثاء لفقدان
الذكر/الرجل/ الإبن-الأبناء/المقاتل/ المحارب. ليصبح شعر الخنساء حكيا
أنثويا في ظل الرجل وإن خرج للضياء، ولكنه لم يخرج من حدود ظل الذكورة، ولن
تزودنا الثقافة عن شعرها –الخنساء- الانثى/المرأة في غير موضع الرجل/الذكر
ذاك شيئا، فأبقت أنوثتها حبيسة فقدها الذكوري في الذاكرة الجمعية العربية
وادراكنا اللغوي الشعري.
ولعلنا
لسنا بحاجة للـتأكيد على أن المرأة كائن اندماجي، أي أنها ليست كائنا
ثقافيا مستقلا، بقدر ما هي كائن "إرتباطي"، إنها وسط الآخرين و فيهم ومنهم و
بينهم وبهم عضويا، أي أنها بنت فلان وزوج فلان و أم فلان و أخت
فلان، وهي جزء عضوي و مؤسس في بنية العائلة، وفي عمقها، لذا كانت لغتها
الوحيدة هي الحكي و أداتها اللغوية هي اللسان. و الحكي –حكيها- لا يكون إلا
للزوج أو الولد أو البنت محاطا بالسور العضوي للفضاء العائلي/الدم: أسرة
/أهل/ بيت، ومن هنا كانت فكرة المحدد الثاني لفضاء الحكي الأنثوي: المكان.
إن
خروج الانثى من ليل/عتمة "الحكي" إلى نهار/ضوء "الوجود"، سواءا بالكتابة
أو الثورة أو الرفض أو غيره من الأفعال الوجودية، هو انتقال ثوري في ذاته
يرفض حوصلة الذكر لها وإن بدت مريحة للأنثى وقدستها السماء وتأويلاتها،
ويستبدلها بقلق وجودي ما، إذ يتركز وعيها الوجودي بذاتها، وكلما كان وعي
الإنسان بذاته وجودا زاد قلقه، وزادت مقاومته للقوى التي تحاول نفيه أو
استلابه. ولعل الصراع مع قوى النفي الذكورية للمرأة في فضاءنا العربي سواء
من المكان المحكي أو المكتوب أو الثقافي أو الديني أو الاجتماعي أو
السياسي، يعيد التأكيد في عموم الحالات وخواصها، أن القلق الوجودي دوما هو
قلق مرتبط بـ"مسألة الحرية" كما يقر بذلك جلبير دوران وغيره.
وتلك
المسألة إنسانيا بشكل عام و أنثويا بشكل خاص، لابد لها أن تخلق "حالة من
الحوار" الذاتي أولا، و الآخروي ثانيا، و المكاني/الحيزي ثالثا، فيتلازم
"القلم" (كأداة) و"الألم" كنتيجة، لا صوتيا أو مورفولوجيا فقط، بل دلاليا
وارتباطيا كذلك، ولن تكون العملية التعبيرية عن الذات الأنثوية (تجليا لذات
تفكر وتعرض و تقول ما تفكر فيه وماتعرفه فقط، بل ستغدو مظهرا لتبعثر الذات
وانفصالها عن نفسها، إنها مكان كل خارج، لا باطن له، تنبسط عليه مجموعة من
المواقع المتمايزة للذات)، بحسب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.
ولعل
هذا مايفسر الربط العضوي بين الإبداع و الإكتئاب، ليقفز في ذهننا مجموعة
من الأمثلة الذكورية الثقافوية أولا أمثال نيتشه وفيرلين وفان غوخ، و
إنكسارات أبو حيان التوحيدي وابن حزم وعبدالرحمن شكري وغيرهم من المبدعين
الذين إنتهى الأمر بهم إلى نتيجة تجعل الإبداع ذات علاقة شبه عضوية
بالإكتئاب، ثم تحضر الأنثى في ظل الذكر الثقافي، لنتذكر إن تذكرنا بعد
غنائم ذاكرتنا الذكورية سليفيا بلاث و ليلى صبار و فيرجينيا وولف وغيرهن.
إلا
أن خروج الأنثى من ظلمة الحكي لضياء الوجود الذاتي، لا يتحقق وحيدا،
فتبرز الهيستيريا الذكورية اتجاهها بوصفها (جسدا) يوجد/يعبر/يتحدد/يحاور
لكي يخترق قواعد الرمز الذكوري، ويتحداها، ويخلخل أنظمة المعنى ثقافيا
وآليات إنتاجه، وهو ما يفسر مقولة مي زيادة إذ تقول: (إن تاريخ المرأة
استشهاد طويل). وتعيد بقولها (ليس من ألم يضاهي ألم المرأة) لويز ميشال
التأكيد على ذلك، ونشير إلى علاقة العقاد بصالون مي زيادة كمثال من بحر.
وقد
عرف تاريخ الفن سوابق لطرح الوجود الجسدي للأنثى في فضاء المكان، وجسدها
كجسد مستعمر ومحتل في الفنون البصرية في سبعينيات القرن المنصرم خصوصا في
أعمال فريدا كالو. حيث يتحول ظهور المرأة (خروجها من ظلمة الحكي المجرد إلى
ضوء التعبير الوجودي) وتمثيلاته إلى نتيجة ثابتة وطرفية في السياق الثقافي
الذكوري، فمثلا يلاحظ مؤرخو الفن من الحركة النسوية أن مصطلح "فن النساء"
يمكن أن ينطبق على التقاليد الفنية المرتبطة بالسياق العائلي من الإنتاج،
وهو سياق –كما ذكرنا- يمثل امتدادا لحرمة التمثيل الثقافي المستقل خارج
حدود الحكي الليلي و ألفة البيت وسوره، فالنهار استحضار الضوء، و الضوء
أساس علوم المكاشفة، مثال ذلك "شغل اللحف" و "الطبخ" –الذي اقتحمته الثقافة
الذكورية بمنطق حداثي-. وهنا وعلى الرغم من أن الأجساد الأنثوية تُستغل في
انتاج مثل هذه الفنون، إلا أن تمثيل الجسد الأنثوي كأولى مشاهد الحضور
(نهارا/مكاشفة/لونا/ تحررا) أو الاعتراف به ليس عنصرا محوريا في المنتج
النهائي وادراكنا له بل يمكن إنفصاله عنه، فمصطلح (فن النساء) يشير إلى فن
ينطلق من الفروقات الأنطولوجية في معرفة المرأة بمنطق أعلى و أدنى، وهي
المعرفة الواقعة بين مطرقة اللغة وسندان الثقافة، بالغا الذكورة، وإن اتشحا
بضمير أنثوي من باب التحايل.
وهو
نوع لا يختلف كثيرا إلا في النعومة عن وسائل نفي الأنثى وتحجيم وجودها،
وحصر دلالتها في الأداة/المادة المقيدة و ليس الرمز/القيمة الحرة، فنلاحظ
مثلا أن بعض الفنانات استخدمنّ (ترميزا أنثويا أيقونيا للجسد) في أعمالهن
بطريقة تشير إلى "حزام العفة" الذي كان سائدا في الثقافة الغربية، في نوع
من المعادلة، لما زعمته الحركة النسوية الأنجلو أمريكية مثلا، من أن الصور
الوحيدة المتاحة لأعضائهن التناسلية لاتوجد إلا في سياق طبي وعلمي، وهو
سياق بالغ الذكورة.
فكان
خروج المرأة من حتمية عتمة الحكي والكيانية الإرتباطية إلى ضوء النهار
الثقافي والإستقلال، هو نوع من أنواع الصدمة و المواجهة للبنية الثقافية
الذكورية المسيطرة، فكانت الحاجة لتحويل الحيز التعبيري للوجود الأنثوي في
الضوء من "موضوع" إلى "ذات" لها صفاتها المميزة و الحاكمة، و التي تتحدد
بيد الذكورة لاغيرها، فخرجت علينا "الحداثة" بمقاييس للجمال، لتحوله من
نسبيته الحرة إلى وصفيته المقيدة بالبنية الثقافية المتغيرة، لنرى مثلا
مسابقات الجمال التي تحولت إلى معيارية شكلية ووصفية وتنميطية (تخضع كذلك
لبنية الانتاج وعلاقات رأس المال)، ولابد للذكورة أن تُنعم بها على
الأنوثة، فيصبح المعيار و المقياس و منطق القيمة مذكرا بإمتياز، "بتصوير
جسد الأنثى العاري بأبعاد مثالية" و"تقديم المرأة على أنها الآخر الغريب"،
و"كمجال هامشي غير معروف" تحتاج الذكورة الثقافية على الدوام لتحديد
مقاييسه ومحدداته ومعاييره، لا لذاتها ولا لجوهرانيتها، ولكن للمتفق عليه
من الثقافة الذكورية لغة ووصفا، أي تملكا بصريا/وصفيا/ذاتيا/لغويا لكيان
موضوعي، وفي النهاية فتلك البنية الثقافية التي تدعي الأنثوية هي بنية
بالغة الذكورة.
ولذلك
دلالته المركبة، فمن ناحية يتمتع الفن البصري بمكانة كبيرة في المجتمعات
الغربية المعاصرة بوصفه شاهدا يعبر عن الواقع الإجتماعي، بما فيه من ميل
لتأسيس مانعرفه عن ذلك المجتمع على مايمكن مشاهدته، وليس على علاقات
وعمليات وسياق المشاهدة، وهو ما لايختلف عن منطق قطع الرؤوس و الأيدي في
تماثيل الإناث في الثقافة الغربية، بما له من دلالة غياب الفعل/الأيدي
وغياب الفكر/ الرأس (والعقل)، وتحول الكيان الأنثوي إلى حيز تطبيق للمقاييس
الوصفية الذكورية أداتيا (جنساويا)، ولعل الأكثر شرحا لذلك التمثيل
الثقافي للأنثى كان "بغماليون" الذي أعطى للتمثال المؤنث منتهى الجمال من
حيث مقاييسه المادية/الوصفية (الجسدية)، لتتدخل الثقافة فيما بعد فتّمن على
ذلك القبرصي، فتحيي له قطعته الفنية بعد طول دعاء وتمني، وهاهو "الحكيم"
بعد أن ضاق بغماليون بأنثاه الضاجة بحريتها، يتضرع لتعود ذاتا في تمثال،
فيعطيه –بحكمة- مايريد من سطوة الذكر على الأنثى.
إن
الخطاب الثقافي الذي يتناول المرأة في الفنون التعبيرية، في بعض المجتمعات
و إن كان يتناول المرأة بصورة معينة، نازعا عنها قيمتها الموضوعية وواضعا
إياها في السياق المحدد سلفا بشكل وصفي / شيئي، فهو معبر فعلي عن واقع
تناول الأنثى في بعض المجتمعات، إلا أنه ليس كذلك في مجتمعات أخرى، إذ
تتحول الصورة التعبيرية عن الأنثى، لما يمكن تسميته حالة من "الإستلاب
المضاعف"، بالسعي للتماهي مع "صورة" المجتمع مقدم الصورة الأصلي، وهو
استلاب مضاعف من حيث:
1. استلاب للخصوصية الثقافية لصالح منتج وصفي لمجتمع آخر وثقافة أخرى وتمثيل خطابي آخر للمرأة.
2. استلاب للأنثى التي ترى في الصورة التعبيرية عنها انفصاما عن الواقع واختلافا جذريا شديدا، و هو إستلاب مبني على أستلاب أساسي في اعتبار الأنثى جسد فقط.
2. استلاب للأنثى التي ترى في الصورة التعبيرية عنها انفصاما عن الواقع واختلافا جذريا شديدا، و هو إستلاب مبني على أستلاب أساسي في اعتبار الأنثى جسد فقط.
وهو
ما نراه بجلاء في فنوننا التعبيرية في تناولها للأنثى إعلاميا وثقافيا
وخطابيا و مجتمعيا، بشكل يزخر بالتكوينات وبالدلالات عبر وسائط بالغة
السيولة و النعومة وقصر المدة الزمنية لصالح التكثيف الصوري و الرمزي،
وتمثيلاتهما الغير محايدة (وهو ما يفسر تكثيف تحول الفنون الأنثوية إلى
فنون استعراضية ادائية وليست فنية في ذاتها غذا ما قورنت بالفنون
الذكورية).
وهو
ما لا يمكن تجاهله في رد الفعل الذي بزعم الخصوصية الثقافية و الحضارية،
يقمع الأنثى، وينتقل من تذرير المرأة وتسليعها باسم الحداثة و التحضر، إلى
تخصيص المرأة وتشيؤها والتعامل معها كوسيلة لغاية أعلى وأسمى دينيا،
وبالتالي حجبها وتنقيبها ونفيها عن الحيز التعبيري وجوديا، وهنا لا يختلف
المنطقان من حيث كونهما يقومان على نفي الوجود الأنثوي من الحيز الجوهراني
الخاص به، لحيز الأداة/المادة المملوكة، وهما منطقان يتطبقان فيما يزعمان
من التناقض، في لا أخلاقيتهما وقمعيتهما، إذ تظل العلاقة بينهما علاقة
صفرية غير منتجة، و إن كانا متساويان في المقدار و متعاكسان في الاتجاه،
فهما من "نفس الجنس" القامع النافي الجنسي الجذر.
فالترميز
الذكوري للانثى هو بحد ذاته عملية تختزل المرموز إلى محض بعده كموضوع،
بينما يحتكر الرامز أو صانع الرمز كل الذاتية لحسابه، فالترميز يفترض أصلا
بالموضوع المرموز أن يكون قابلا للتشكيل، أي مادة مطاوعة يحدد الآخر
مضائرها، فتمتلك اللدائنية لا طاقة الحرية.
"أمررْتُنَّ بالسُحب تُنْحَرُ بمدية الملاح؟
أمرَّتْ بكنَّ الحرابُ مقذوفة بلا تسديد، و الرياحُ مقذوفة، عشواء،
إلى الآبار الدفينة في الغيم؟
لَمْعٌ على شفاهكنَّ؛ أَحُزنٌ؟
لايُقاومَ حزنٌ؛ لايُقاوم الحزينُ.
ربما معارك نجدةٌ على شفاهكنَّ؛ معاركُ تحدِّثُ الشفاه بها الشفاهَ لَمْسا.
سعيداتٌ كالشبهة أنتنَّ،
الحدقات الثواني في عيون الساعات، و الصوت النبيذُ،
الذي لا يُهان."
(سليم بركات – السيل)
ثانيا: المكان لغة ومعنى:
"المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه"
(ابن عربي)
يلج
الحيوان العالم بدوافع راسخة التوجه وغاية في التخصص، بشكل مقيد، لذا فإنه
يوجد في "عالمه" محدود الإمكانيات، أي أن المكان له السيطرة على الكامن
فيه بأدواته ومحددات الأخير، من قبل غرائزه و أدواته البيولوجية، فقد برمجت
أجساد الحيوانات بحث توجد وتبقى ضمن "مكان"/بيئة بذاتها، في حالة من
القطيعة التي تفرضها ثنائية "إما / أو"، حيث لا يمكننا مثلا ان نجد دبا
قطبيا تأقلم في الصحراء الأفريقية.
أما
عالم الإنسان فمفتوح نسبيا، فالبنية الغرائزية لدى البشر أقل تخصصية من
تلك للحيوان، مما يعطي لعالمه –الإنسان- القابلية لتشكيل محتواه، ومعناه،
خروجا عن ثنائية الـ "إما/أو" في جانبها المادي الصرف، إلى مطلق الفكرة
الإنسانية: القيمة. فالإنسان يحيا في عالمه، محاطا بحشد من المعطيات التي
تغمر ادواته الحسية في شقها المادي والمعنوي/القيمي، فيتعين عليه أن يسبغ
على عالمه معنى وشكلا، ليستطيع البقاء فيه و التعايش معه.
ومن
هنا يصبح المكان – أي مكان- "مكانا تعبيريا" للوجود الإنساني فردا وجمعا،
وتلك خاصية بدأت مع بدء الخليقة و الإنسان البدائي ولعل أبرز أمثلتها ماعرف
بـ"رسوم الكهوف" وإن لم تكن الأقدم.
إي
أن الحيز التعبيري للإنسان ليس إلا ممارسة جمالية، هو المجال الذي يصبح
فيه إنتاج الدلالات الحسية والرموز هدفا في ذاته ولذاته، وهو بذلك يشكل
"المعنى" باعتباره الغاية الأسمى و الأهم للحضارات، فإذا انفصلت عاطفة الحب
عند الإنسان عن رموزه وصوره وتخيلاته التي تعطيه المعنى و القيمة و
أساطيره المحبوكة حوله افتقر مفهومه، حتى أصبح مجرد رد فعل "مادي" حيواني
على مؤثر خارجي، ويصبح المكان حينها مجرد حيز "بيولوجي".
فالمكان الذي يحتوي الإنسان (فردا وجمعا) يعبر عن ثقافته، باعتبارها نظاما
رمزيا تخيليا يحدد القيمة الأولى للمعني و الدلالات القائمة و التي يعاد
تركيبها وتفسيرها و تقديمها حسب النظم الذهنية التي تدخل فيها، وهو نظام
يرثه الفرد وترثه الأجيال، كما أنه كيان حي يؤثر و يتأثر،، وهو من بين جميع
النظم العقلية الأكثر مساواة بين الأفراد، والأكثر حرية وعفوية وانفتاحا،
فاستيعابه لا يشترط اختصاصا كالنظام العلمي، ولا تربية قاصدة كالنظام
الاعتقادي (وهنا يظهر عوار ما يسمى بـ"أسلّمة" المجتمعات و الثقافة
وتهافتها)، إنما تكفي فيه مباشرة الحياة في مجتمع ما و التأثيرفيه و التأثر
به، ومشاركته أترابه رؤيتهم للمناظر نفسها وسماعه للأصوات نفسها، وتخيله
القصص والأساطير نفسها، ومعاناته التجارب ذاتها، وشعوره ذات المشاعر،
وتخيله نفس القصص والتصاوير، بل وتاأره بالمناخ ذاته.
أي
أن الظرف الجامع هاهنا (ماديا و معنويا) يخلق نوعا من الزمنية المشتركة،
والجامعة، تلقي بتفاصيلها الخطابية (معرفة وثقافة و اجتماعا وغيرها) على
المكان، وهنا تُخلق ما يمكن تسميته بـ "حالة حوار"، ويشترط لتحققها في
الزمان و المكان التالي :
1.لغة.
2. معنى.
2. معنى.
قد
يقول قائل، أن اللغة -أي لغة وليست المنطوقة/المسموعة إلا إحداها- وظيفتها
الأهم "إيصال المعنى"، وذلك صحيح، فبدون المعنى لا توجد اللغة، ولكن ذلك
التجريد قد يغفل عما يمكن أن تمثله اللغة، من وسيط يسهل تحوله إلى زمنية
جامعة أو/و أداة قمع، لا تخلق حالة حوار، بل تحول العلاقة بين ساكنيها إلى
مرسل ومستقبل فقط.
ولعل أبرز الأمثلة التي يهمنا تناولها هنا وعلى علاقة بالسياق، في ما يتعلق بــ"المكان" وتحوله إلى لغة قامعة، لا تنتج حالة حوار مع ساكنيها – واللغة سكنى-، هي "المدينة" وما تحمله من دلالة على امتداد التاريخ الإنساني، فما من طاغية إلا وارتبط اسمه بفضاء "مكاني/مديّني" جامع، يطبعه بطبائعه، ويحول ملامحه إلى ملامحه، فيغرقه بصوره ومدائحه وخصال علومه وعظمته. فمن منا يستطيع فصل روما عن نيرون، وبغداد عن هولاكو، وستالينغراد عن هتلر، وغيرها.
ولعل أبرز الأمثلة التي يهمنا تناولها هنا وعلى علاقة بالسياق، في ما يتعلق بــ"المكان" وتحوله إلى لغة قامعة، لا تنتج حالة حوار مع ساكنيها – واللغة سكنى-، هي "المدينة" وما تحمله من دلالة على امتداد التاريخ الإنساني، فما من طاغية إلا وارتبط اسمه بفضاء "مكاني/مديّني" جامع، يطبعه بطبائعه، ويحول ملامحه إلى ملامحه، فيغرقه بصوره ومدائحه وخصال علومه وعظمته. فمن منا يستطيع فصل روما عن نيرون، وبغداد عن هولاكو، وستالينغراد عن هتلر، وغيرها.
ولكن
السياق هاهنا ليس سياقا مجرد، ففي ذلك التجريد نوع من الاختزال و الإقصاء،
إذ يتعامل مع "المدينة" (باعتبارها "المكان" في هذه الحالة) وكأنها كيان
ثابت، لايتغير و لا يتحول و لا يحاور ولا يتحاور، وهي ثبوتية غير صحيحة،
تؤدي لإعطاب النسق الجامع (الناطق و المنطوق)، فروما أحرقها نيرون،
وستالينغراد دمرها هتلر، وبغداد أغرقها هولاكو في دمائها وحبرها فأبكى
شريانيّها النهرييَّن، إلا أن روما ماتزال موجودة، وبغداد زارها هولاكو آخر
أكثر من مرة ودحرته، و ستالينغراد ضربت أروع الأمثلة في الصبر و المقاومة.
أي أن العلاقة بين المكان/المدينة والطاغية، ليست علاقة ثابتة أو صلبة، بل
هي علاقة حية و متحركة لأنها حالة حوار.
وبالعودة
لذكورية اللغة و أنثويتها، و اعتمادا على دراسات علم النفس، التي تناولت
الجانب الجنوسي للغة وعلاقتها بالمشاعر (ولعل أشهرها تجربة إيان ميتروف
وغيرها)، والتي إعتبرت أن اللغة التي ينتجها المنطق الذكوري هي لغة
"إخبارية"، أي أنها تهتم بالإخبار عن المدلول، إخبارا وصفيا/ماديا/صلبا
(يغلب عليه الجانب الوظيفي)، في حين اللغة التي ينتجها المنطق المؤنث هي
لغة "تخيلية"، أي أنها تهتم بتخيل المدلول، تخيلاَ صوريا /لونيا/مكانيا،
بعبارة أخرى، وجدت بعض الإحصائيات أن الرجل يستخدم لغة رقمية/خرائطية في
إدراك مكانه و وصف طريق ما إلى موقع بذاته (كأن يشير إلى عدد الشوارع أو
إسمها) في حين أن الأنثى تستخدم لغة حدسية/مكانية في وصف نفس الطريق إلى
ذات الموقع السابق (كأن تشير إلى أشكال الشوارع و/أو إتساعها/ضيقها أشكال
البنايات و/أو ألوانها تفاصيل شكلية في الشارع/المكان)، ولعل هذا ما يفسر دروج القول المجتمعي (لا تسأل إمرأة أو عجوزا عن الطريق).
إن
اللغة التي ينتجها المنطق الأنثوي لغة أكثر تراكبية وحملا للمشاعر،
وبالتالي فهي الأقدر على خلق حالة الحوار مع المكان، من تلك اللغة التي
ينتجها المنطق الذكوري، الذي يعتمد الوظائفية الصلبة، و الإخبارية المادية.
ولعل لذلك أهمية بالغة في تناول علاقتنا بالمدينة/المكان من حيث أنها فضاء جامع له وجهين:
ولعل لذلك أهمية بالغة في تناول علاقتنا بالمدينة/المكان من حيث أنها فضاء جامع له وجهين:
- وظيفي:
حيث أن المدينة مكان يحقق "حيز إتمام الوظيفة البيولوجية" لقاطنيه بما
يضمن بقاؤهم بالمنطق البيولوجي، فكان شرطا للمدينة أن تحقق السكن و الغذاء و
العلاج و..و..لضمان البقاء الصنفي لقاطنيها.
- تعبيري:
وهو الأقرب للسوسيولوجيا المجتمعية باعتبار الإنسان كائن ينتج مالايمكن
لغيره من الكائنات الحية المشابهة له في الطبيعة وهو ما يعرف بـ"الثقافة"،
وما تحتويه من مساحات تعبيرية و حوارية مع الإنسان فردا/ذاتا
وجماعة/موضوعا.
المكان
لغة تحاور قاطنيها، و كذلك المدينة، فإن غلبت على ذلك المكان/المدينة
اللغة الذكورية، أصبحت مكانا وظيفيا لا يخلق حالة الحوار التي يمكن
إعتبارها العنصر المؤسس في الإنتماء (ومن ثم الهوية) لمكان ما دون غيره.
فإن
نظرنا إلى الوطن باعتباره أرضا نعيش عليها بالمنطق البيولوجي فما الفارق
بين وطن ووطن، ولماذا يحمي الجندي حدود ذلك الوطن وليس ذاك مالم يعنِّ له
شيئا؟؟!! (وهنا يجب أن نشير إلى عوار منطق بعض رموز اليسار الإسرائيلي الذي
يدعي أن الفلسطيني يملك إشكالية مع تعريف ما يسمى بالوطن).
ولتأنيث
الأمكنة في أوطاننا باعتبارها فضاءات تعبيرية وليست وظيفية (كما تدعي
العولمة بأن جعلت مدننا جزءا تعبيريا لنموذجها المسيطر، ووظيفيا لنواة
فاسدة تضمن الوكالة عنها)، في حراكنا الثوري عربيا دلالة ثورية، باعتبار أن
"الثورة تقوم رفضا لحالة الاستلاب والاغتراب الذي يعايشها الإنسان في
مجتمعه ووطنه وثقافته ودينه"، أوليس كل هؤلاء أمكنة تعبيرية. إن المثال
الأوضح لتأنيث الأمكنة في مدننا العربية خلال الثورة وتاليا لها هو فن
الغرافيتي، الذي ينقل الحوائط من لغتها الذكورية الممعنة في الوظيفة و
الإخبار اللغوي، إلى لغة أنثوية واسعة التخييل، وهو ما ينعكس على:
- حالة الحوار الذاتي مع الأمكنة
لتصبح الأمكنة أقرب لقلوب قاطنيها فهاهي تعبر عنهم وتتحدث بما يرونه
(قبلوه أم رفضوه) وأبلغت عن فكرة لا إخبار فيها، إنما تعبير وتخيل.
- حالة التعبير:
الحوائط تحيط بفضاءاتنا الجامعة (شارع / منازل / ميادين / مؤسسات عامة /
محطات / أحياء وغيرها) و بالتالي فهي تعبر عنا، تخبر عنّا ما نعانيه،
ولعلها الأصدق في الإخبار، فليس بمقدور الأنظمة والحكام والجنرالات أن
يقبضوا لا على الحائط ولا على الفكرة، لذا فحوائطنا ألسنتنا.
وتلك
الإسقاطات هي التي تفسر لماذا وجب تحول المكان الإفتراضي (الإنترنت و
الشبكات الإجتماعية) للثورات العربية إلى مكان فعلي ملموس ومسكون، و اقتصار
دور المكان الإفتراضي على أنه دور الموصل إلى المكان الفعلي، والزمنية
الجامعة التي يخلقها، وهو نفس الدور الذي أدته الفنون و الآداب، دون تمام
الإنفصال عن التعبيرية الثورية وقدرتها على خلق زمنية جامعة و توعوية.
إن
ما سبق يفسر لماذا تصر الدول التي تدعي حماية الفنون و حقوق التعبير عن
الرأي أن تعتبر فنون الغرافيتي خروجا عن القانون، تحت تهمة ادعاء مطاط:
"الإضرار بالممتلكات العامة"، وكأن عموميتها هي للسلطات و ليس للسان حال
تلك العامة فعلا. ففي مصر مثلا، تتوحش السلطة العسكرية في تذكير المكان
ومنع تأنيثه، بمطاردة هستيرية لفنون الغرافيتي في الأحياء وطلائها بلون
يدعي الحياد موتا : الأبيض، وهو ما تكرر في طولكرم، حيث أزالت البلدية غرافيتي داعم لحراك الاسرى الجائع للحرية.
الغرافيتي
يعد إنطاقا للمكان، و حالة حوار معه، ليعود للمكان والكامن فيه تلك
العلاقة التي يلتقيان فيها كلٌّ له خصوصيته، فيحاور أحدهما الآخر، و
يتسع وجود الجدران لما يفوق حيزها الوظيفي لتكون حيزا تعبيريا ينطق بلسان
حال قاطنيه، ويعبر عنهم، بمنطق أنثوي التخيل، لا ذكوري الوظيفة.
وأمكنتنا
التي نحيا في خضمها في أمس الحاجة لإعادة تأنيث لتعبر عنا، فلا تصبح
فضاءاتنا الجامعة استنساخا استهلاكيا معولما ونيوليبراليا، يُحَدد لها ما
يجب أن تقول وما لا يجب أن تقول ويسهم في ترويض الشعوب و الأفكار والتفرد و
التميز بحسب ما يراه الباحثان ستيف نيفا و أنطونيو نيغري، خاصة بعد فترة
الثمانينيات التي شهدت بعض الحراكات الشعبية. ولعل مطاراتنا ومراكزنا
التجارية من أكثر فضاءاتنا الجامعة تدليلا على ذلك، فالمراكز التجارية التي
تحولت إلى سلعة في ذاتها تتنافس فيها العواصم الإستهلاكية جاعلة من دبي و
عمّان و القاهرة و بيروت مكانا إستهلاكيا واحدا متماهيا، تغرق في علامات
تجارية ليست لها ولا تتحدث معها وعنها، ولا تأتي وحيدة أبدا و تفاصيل
معمارية مفككة تتدثر بالموت معدنا وزئبقا، وهي تسرف في تلك "النهايات"
تذكيرا لنفسها أمام كل صيغة تفضيل كـ"أكبر بناية" و"أعلى..."
و"أغلى..."و..و... بأن الإنسان ضئيل جدا.
وكذا
أيضا مساكننا، التي من لغتها "نسكن" إليها (وربط النص الديني السكنى
بالأنثى لغة أيضا) أو هكذا يجب، هي كذلك حالة من الإنتفاء و الاستلاب فنحيط
أنفسنا بالأسوار، و البوابات والحوائط، لا لنحمي أنفسنا بل لنقيدها، ونصبح
امتدادا أكبر لسياسات تفرقنا، وتؤكد على استقطاباتنا المفرقة وليس
اتفاقاتنا ومشتركاتنا. ولعل المسكن/المكان الذي لطالما كان لصيقا بمعاناتنا
اليومية تحت الظلم و القمع و القهر، خرج من حيزه الوظيفي البيولوجي إلى
الحيز التعبيري، فقط عندما اكتشف المصريون والتوانسة والفلسطينيون
والليبيون واليمنيون والبحرينيون أنهم معا يستطيعون حماية أنفسهم وإقامة "لجان شعبية"، إذ قال مكانهم: همومكم واحدة و قهركم واحد وظالمكم ذاته... وأنا جامعكم وأنتم جامعي.
وفي
سوريا مثلا كانت شرارة الإنتفاضة أن نطق سور مدرسة إبتدائية في درعا فخرج
عن وظيفيته الذكورية إلى تعبيريته الأنثوية، بأنامل أطفال، هزت عرشا و
أجفلت بنادق فقام لها نظام كامل، بكامل عدته و عتاده، لينزع أظافرها، ظنا
أن للحلم شريان يقطع، وظفر يقلَّم.
وها
هي في البحرين نفس العقلية القمعية الممعنة الذكورة والجنوسة، تدمر فضاء
جامعا لا لشيء إلا لأنه عبر عمن فيه، فأصبح لؤلؤة، إذ لا يمكن فهم تدمير
ميدان اللؤلؤة إلا بكونه إخراج للبحرينيين من ذلك الفضاء الذي جمعهم
وعبّرعنهم، إلى ما يفرقهم.
وفي
الأردن قرر المعتصمون أن يتظاهروا في "دوار الداخلية"، ولعل أبرز
مطالباتهم بكف يد الأمن تبرر اختيارهم للميدان ذاك تحديدا باعتباره مكانا
جامعا معبرا عنهم و عما يطالبون به أملا للبلاد، وليس مكانا وظيفيا قد
يتشابه مع الكثير من الأمكنة في البلاد، التي تحولت من "فضاء" إلى "حيز".
في الخاتمة، كم نخسر المرأة باعتبارها إنسانا، و كم يخسر الوطن نفسه حين يُرمز له بكيان لاحيرة له.
"قل كلمتك و امش معها" – (حكيم قديم من بلادي).
نظرية كارل يونغ في الأنماط السلوكية:
وصف
يونغ أربعة مناح للتوجه نحو العالم: "التفكير" و "الشعور" و "الإحساس" و
"الحدس"، ونظر إليها بشكل محورين (كما في الشكل أعلاه)، فوجد أن الإنسان
يطور وظائفه واحدة تلو الأخرى، فيبدأ مثلا من وظيفة واحدة (تسمى عادة
مَلكة)، ثم مع النضج و الانفتاح على الآخر، وحالات الحوار (ذاتيا وآخرويا)
يطور وظيفة مساعدة، فمثلا نجد نمط "التفكير"، يطور "الاحساس" كوظيفة ثانية،
وفيما بعد قد يطور وظيفة ثالثة من المحور نفسه بوصفها وظيفة (مساعدة)، وهي
"الحدس" في هذه الحالة، وبالتالي وُجد أن آخر ما يتم تطويره هو الوظيفة
المقابلة/المعادلة، وهي في حالتنا "الشعور".
Friday, May 11, 2012
رساله دكتوراه أزهرية موضوعها : «الحجاب» ليس فريضة إسلامية
في
رسالة نال بموجبها الشيخ مصطفى محمد راشد درجة الدكتوراه في الشريعة
والقانون من جامعة الازهر – فرع دمنهور بتقدير عام امتياز، قال الشيخ
مصطفى فيها ان الحجاب ليس فريضة اسلامية، وان تفسير الايات بمعزل عن
ظروفها التاريخية، واسباب نزولها قد ادى إلى فهم مغلوط شاع وانتشر بشكل
كبير حول ما يسمى بـ«الحجاب الاسلامي!»، والمراد به غطاء الرأس الذي لم
يذكر لفظه في القرآن الكريم على الاطلاق، الا ان البعض قد اختزل مقاصد
الشريعة الاسلامية وصحيح التفسير ورفض إعمال العقل في نقله وتفسيره، وأورد
النصوص في غير موضعها وفسرها على هواه، مبتعدا عن المنهج الصحيح في
التفسير والاستدلال الذي يفسر الآيات وفقا لظروفها التاريخية وتبعا لأسباب
نزولها، إما لرغبتهم وقصدهم ان يكون التفسير هكذا، واما لحسن نيتهم لأن
قدراتهم التحليلية تتوقف إمكانات فهمها عند هذا الحد لعوار عقلي أو آفة
نفسية.
باتت مسألة «الحجاب!» تفرض نفسها على العقل الاسلامي وغير
الاسلامي، وامست مقياسا وتحديدا لمقصد ومعنى وطبيعة الدين الاسلامي في نظر
غير المسلمين مما حدا ببعض الدول غير الاسلامية الى اعتبار «الحجاب!»
شعارا سياسيا يؤدي إلى التفرقة بين المواطنين والتمييز بينهم، وقد حدثت
مصادمات، وفصل من الجامعات والوظائف بسبب تمسك المسلمة بفهم خاطئ لما يسمى
«الحجاب!»، وتحميل للاسلام بما لم يأت به من دعوى انه فريضة اسلامية.
جاءت
ادلة من يرون فرضية «الحجاب!» متخبطة وغير مرتبطة، مرة بمعنى الحجاب،
وتارة بمعنى الخمار، واخرى بمعنى الجلابيب، وهو ما يوضح ابتعادهم عن
المعنى الصحيح الذي يقصدونه وهو غطاء الرأس، وانهم يريدون انزال الحكم بأي
شكل لهوى عندهم، وقد ورد ذكر «الحجاب!» في الآية رقم (53) من سورة
الاحزاب، والمقصود به الحائط أو الساتر، وهو متعلق بأمهات المؤمنين
الطاهرات المطهرات ووجوب وضع ساتر بينهن وبين الرجال من صحابة رسول الله
صلى الله عليه وسلم، اما الاستدلال بآية الخمار التي وردت في سورة النور
في الآية رقم (31) فهو أيضا استدلال باطل لأن المقصود بها وجوب ستر النحر
وهو اعلى الصدر وستر العنق ايضا، وعلة نزول تلك الآية الكريمة، تصحيح
وتعديل وضع خاطئ كان سائدا وقائما وقت نزولها وهو كشف صدر المرأة وهي صورة
يرفضها الاسلام ومن ثم قصدت الاية تغطية الصدر وليس غطاء الرأس كما يسميه
الناس الآن «الحجاب!».
اما الاستدلال بآية الجلابيب التي وردت في
سورة الاحزاب في الآية رقم (59)، فإن سبب نزول الآية ان عادة النساء وقت
التنزيل كانت كشف وجوههن مثل الإماء أو الجواري، فكان بعض الفجار يسترقون
النظر إلى النساء فنزلت تلك الآية لتضع فارقا وتمييزا بين الحرائر والإماء
الجواري حتى لا تتأذى الحرة المؤمنة العفيفة.
واخيرا استدلال البعض
بحديث أسماء بنت ابي بكر رضي الله عنهما عندما دخلت على رسول الله صلى
الله عليه وسلم فأمرها بأن لا تكشف الا عن وجهها وكفيها، كدليل على فرضية
«الحجاب!» أي غطاء الرأس، فهو استدلال لا يعتد به لأن هذا الحديث من
احاديث الآحاد، وليس من الاحاديث المتواترة أو المتصلة السند، لكنه حديث
آحاد لم يتصل سنده بالعدول الضابط
المصدر: الصفحة الشخصية للكاتب أحمد الخميسي على الفيس بوك
المصدر: الصفحة الشخصية للكاتب أحمد الخميسي على الفيس بوك
Monday, April 30, 2012
منى غدار تكتب: نريد المزيد من النساء الأقوياء
كنت في السادسة عشر من عمري حين لاحظت لأول
مرة أن والدي مرتعب مني. كنا في ذلك الوقت في محل بقالة في مدينتي بجنوب لبنان، مر
بي زميلي في الفصل و حياني و كل ما فعلته هو أنني رددت عليه التحية و ابتسمت، لكن
كانت تلك الابتسامة كفيلة بإثارة الرعب في نفس أبي الذي قضى الليل يصرخ و يضرب
رأسه بالحائط لأنه لم يرد أن يضربني، لقد تحولت فتاته الصغيرة إلي امرأة
تملك عاطفة جنسية طبيعية لا يستطيع أن يتحكم بها.
كنت امرأة يمكن أن تلحق به العار إذا تحدثت مع الرجال في الحيز العام،
رد فعله أثار بنفسي و عقلي إعصار من الأفكار و المشاعر المتضاربة، لكن في وسط هذا
الاضطراب و الخوف العميق أحسست برعشة داخلية غريبة كمن يمتلك قوة
السنوات اللاحقة التي تلت تلك الحادثة استخدمت فيها قوتي ضده و ضد أي
شئ سلطوي أبوي في المجتمع، رفعت تدريجيا توقعاته و معها مخاوفه، تنبهه الدائم لي و
لجسدي زاد من قمعه لي لكنه كان بدافع من الخوف الذي أوضح ضعفه و جعلني أدرك أنني
أستطيع هزيمته.
هكذا بدأت أقدّر النساء الأقوياء اللائي يمتلكن الشجاعة الكافية
لتحطيم القيود التي تسيطر على أجسادهن مؤكدات على كرامتهن و ليس خجلهن، هؤلاء
النساء لسن خائفات من مواجهة الرجال في المجال العام و تحويل أجسادهن من رمز للخزي
إلي أيقونات من الكرامة و احترام الذات، تلك هي الأمثلة التي نحتاجها الآن و بشدة
و إلا لن يكتمل الربيع العربي و تبقى النساء كما عبرت منى الطحاوي في مقالها
"الفئة الأكثر ضعفا في مصر و المنطقة"
حينما نزعت النسوية المصرية هدى شعرواي غطاء وجهها في 1923 حالما وصلت
محطة قطار القاهرة بعد رجوعها من رحلة إلى روما، كان حدثا صادما انتقدت من أجله
كثيرا لكن الفعل كان علامة أرّخت لدخول المرأة المصرية في الحياة العامة، و على
قدر ما كان الفعل صادما إلا أن الصدمة جعلت من التغيير ممكنا.
منى الطحاوي محقة، إنهم يكرهوننا، لكنهم يخافونا منا أيضا كما يخاف
معظم الديكتاتوريون و نحن نستطيع هزيمتهم كما هزمنا و سنستمر في هزيمة كل الطغاة،
اليوم تضاعف خوفهم من الشعب بعد الثورات التي حدثت و يمكن لنا أن نستغل هذا الخوف في
صالحنا.
القوات السورية تغتصب نساء سوريا لتلطخ حاضر و مستقبل السوريين بالخزي
و العار، تلك هي طريقتهم في بيان خوفهم من الجموع المحتشدة في الشوارع لكن الأمل
يكمن في التناقض الذي تحمله أفعالهم، يجب أن نحاول باستمرارية الاعتراض على الوضع
الراهن مستخدمين كل الوسائل التي نملكها لزعزعة خوفهم من أجسادنا و تحدي المثلث
الذي طالما تحكم في النساء لقرون: الدولة، المؤسسات الدينية و رب المنزل.
تسعون عاما منذ أن نزعت هدى شعرواي غطاء وجهها أمام الناس، علياء
المهدي من مصر و مريم نمازي من ايران قررا أن يطلقا العنان لنموذجهما الخاص
من النضال الاجتماعي في الدفاع عن حقوق المرأة. علياء نشرت لنفسها صورة عارية
على شبكة الانترنت و مريم صنعت نتيجة سنوية كاملة من صور النساء العاريات و التي
وصفتها ب "صرخة ضد كراهية النساء" لكن فوجئت أن معظم من عارضوا فكرة
النتيجة كن من المدافعات عن حقوق المرأة اللائي قلن أنها هي و علياء شوهنّ الثورات
بأفعالهما.
الرسالة الأساسية خلف تلك الممارسات وسط زوبعة النقد فُقدت و ربما هذا
هو تحدينا الأساسي، النساء مازلن لا يقدرّن القوة التي يحملنها و يتخيلن أنهن غير
قادرات على استخدامها في كسر الهيمنة الذكورية على المجتمع، مازلن يعتبرن أنفسهن
كائنات عاجزة تحتاج الحماية المستمرة من الرجال. لكي نستحوذ على قوتنا لابد أن
نتقبل كل أشكال الحريات بما فيها حرية التعبير و التي ليست عن الصواب و الخطأ و
لكن عن الحق في الاختيار بما فيه الحق في اختيار و استخدام جنسانيتنا.
نحتاج إلى المزيد من النساء الأقوياء
ترجمة: نهى العربي
من عدد مجلة السياسة الخارجية الأمريكية
المقال بالانجليزية
http:// www.foreignpolicy.com/ articles/2012/04/24/ debating_the_war_on_women?p age=0%2C3#.T53lyPo1-SM.fac ebook
المقال بالانجليزية
http://
Subscribe to:
Posts (Atom)





