Showing posts with label أبحاث و مقالات. Show all posts
Showing posts with label أبحاث و مقالات. Show all posts

Tuesday, April 9, 2013

تودد...أو الثورة التي لا تؤنث لا يعوّل عليها (3-4)/ د. عبد الله البياري

الجزء الثالث
 
إنَّ القصيدة رَمْيَةُ نَرْدٍ
علي رُقْعَةٍ من ظلامْ
تشعُّ، وقد لا تشعُّ
فيهوي الكلامْ
كريش على الرملِ /

لا دَوْرَ لي في القصيدة
غيرُ امتثالي لإيقاعها :
حركاتِ الأحاسيس حسّاً يعدِّل حساً
وحَدْساً يُنَزِّلُ معني
وغيبوبة في صدي الكلمات
وصورة نفسي التي انتقلت
من أَنايَ إلى غيرها
واعتمادي على نَفَسِي
وحنيني إلى النبعِ /

لا دور لي في القصيدة إلاَّ
إذا انقطع الوحيُ
والوحيُ حظُّ المهارة إذ تجتهدْ
م.درويش – لاعب النرد


إذا كانت "أعظم خيانة يرتكبها الكاتب أن يصوغ الحقيقة الصعبة في عبارة رخيصة"فـ"الشاعر مأخوذ بكل علم ... لاتساع الشعر واحتماله كل ما حمل ... وإذا كان الشاعر (مطبوعاً) لا علم له ولا رواية ضل واهتدى من حيث لا يعلم، وربما طلب المعنى فلم يصل إليه وهو ماثل بين يديه لضعف آلته".




فإذا كانت "الرؤيا" و"الكشف"  و"الحفر" في النفس والأشياء  من ملامح الشعر الحديث، بعد تجاوزه –دون إفراط- الإطراب والغنائية بمفهومهما الحسي، أدركنا مدى الحاجة الشعرية للاساليب الرمزية والأخيلة الشهرية المنطلقة الغرائبية والترميز المكثف والحر والتخييل في البنية اللغوية والشعرية، وهو نتيجة لـ"لغة التخيل" الأنثوية الجذر أكثر مما تفعله "لغة الإخبار" الذكورية الجذر، فلغة التخيل أقرب ما تكون للغة "الكشف" بالمصطلح الصوفي ، تلك التي تحمل معاناة البحث والتساؤل في الآفاق الغريبة حتى عليها وفيها، لغة تساءل الذات والموضوع معاً، تحفر في الواقع من أجل قراءة تأملية تجاوز موصوفاته المدركة أولياً، فتدرك علاقاته المباشرة وغير المباشرة، في تأثير "مرآوي" لنزوع الوجدان الصوفي في حالة "الإستجلاء"



– إستجلاء الكون- إلى "الفناء".

وهو تماما معناه مالارميه بقوله للمصور ديجا: "عزيزي ديجا، إننا لا نصنع من الأفكار شعرا ، بل من الكلمات". فقد كان ديجا يجد صعوبة في كتابة الشعر على هامش فن التصوير (وللثنائية هاهنا دلالتها) الذي يحترفه، فوجه سؤال إلى مالارميه :"إن حرفتكم حرفة مضنية. أنا لا أستطيع أن أقول ما أريد ولو كنت مليئاً بالأفكار".وبالتالي فالفضاء الجمالي الذي تنتجه "اللغة التخيلية"، ليس من باب الثمالة الجمالية شعرياً أو التجميل اللفظي والتخيلي فقط، فذلك المنحى هو انعكاس لـ"وشاكة إنمحاء الفطرية في عالمنا المعاصر بسبب ماديته وآليته وتعقيداته"، فتلك القيم السائدة في عالمنا هي قيم مادية صلبة لايمكن مقاربتها إلا بلغة إخبارية كونها قيم كمية، وليست قيماً روحية متجاوزة تجب مقاربتها بلغة تخيلية، لذا أصبح التخيل والمكاشفة اللغوية تعويضاً جمالياً قيمياً وروحياً.
حيث يفسر السياب هذا التوجه الشعري الحديث للتخييل بتوظيف عديد الأدوات التخيلية، بأن القيم السائدة في عصرنا هي قيم ليست شعرية، وأن الكلمة العليا فيها ليست للروح بل للمادة، لذا "فالتعبير الماشر عن اللاشعر لن يكون شعراً".
فالشعر –وكذا بقية الفنون- الذي يعتمد التخييل في اللغة، يؤسس لدرامية تخفف الغنائية الشعرية، وللترمي الذي يمنع سقوط النص في المباشرية والوضوح الساذجين، فيما يعد انعكاساً فكرياً لعصور الانحطاط الفكري والتأملي. 



وبالعودة لفكرة "الفناء"، لا بد لنا أن نتذكر المقولة الصوفية: "تمام الشيء مبتدأ نقصانه"، فيبدأ "التكون" حينها مع تمام –أو قرب تمام- "الفناء"، أوليست تلك خاصية الأنثى بامتياز؟ فهي التي تمنح الحياة من الموت، ويتكون الخلق فيها من صميم الفناء أو على شفيره، وتتجدد الحياة من مواثيق الفناء في الجسد الأنثوي.

ولكن كيف لذلك أن يكون شعراً ، و قد إنتهى عصر "ربة الشعر" فصار "شيطان الشعر"؟ أوليس "الشعر جمل بازل" والجمل البازل هو الفحل المكتمل، فكان "إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فإذبحوها"، كما قال الفرزدق في إمرأة قالت شعراً؟
لعل تلك الحاجة إلى تأنيث الشعر ملحة في عصرنا، لإكمال التحرر الشعري واللغوي من السيطرة الذكورية عليه كنسق حي ومؤثر ثقافياً وحضارياً، لم نر فيه بعد الخنساء شاعرة لمدة تربو على الـخمسة عشر قرناً من الزمان، وإن كانت الخنساء محض انتصار ذكوري شعري –كما أسلفنا سابقاً- ، بكت باستخدام الشعر
الظل الذكوري الذي أبت الثقافة الذكورية الفحولية البدوية أن تخرجها منه إلا بموت صاحبه صخر.
فالشعر "ساحة تستوعب مايطرح من المسائل الفلسفية وقضايا اللاهوت وعلم الإجتماع والأنثروبولوجيا فضلاً عن السياسة والأسطورة والتاريخ" وبالتالي فهو – الشعر- "خطاب معرفي حقيقي". باعتبار ضرورة الربط بين الشعر والفكر والفلسفة، بما لا يمكن فضه، لأن ذلك "لايناقض العامل الحضاري وحسب، إنما يناقض إلى ذلك معنى التجربة الشعرية" والتجربة الشعرية هي في ذاتها متجاوزة لذات الشاعر/الرائي إلى نبوءة تتعالى عن شخصه إلى كامل شرطه ومحيطه الحضاري مكوناً الذات والآخر أياً كان الآخر : محيط ، كون، إله... وأنثى.
إن في ذلك التحدي الكبير حضارياً وتاريخياً فيما يتعلق بالشعر ولغته، هو ما جعل الثقافة بنسقها الذكوري تكشف عن أنيابها إزاء أهم مسّ أنثوي تحرري ثوري شعرياً، جعل من الكوليرا التي أصابت مصر عام 1947 ، أقل كثيرا من تلك "الكوليرا" التي أصابت عامود الشعر الفحولي على يد نازك الملائكة في متن



فعلتها الشعرية التي كانت تحت نفس الغسم في نفس العام.

فقد حرضت "الملائكة" في شعرها على الثورة، و"الشعر محض ثورة"، فأججت في بحور الشعر عاصفتها و ثورتها، وأغرت بحوراً ثمانية من بحور الشعر بالإنقلاب والإنضمام تحت رايتها المؤنثة، لتروض في الشعر "شيطانه الذكر"، ليخرج التأنيث من عتمة الحكي إلى نور الكتابة، ولينكسر عامود الشعر الفحولي، ليمسي الشعر"حرية" وليس فقط "حراً".
تلك البحور الثمانية التي استجابت لنداء "الملائكة" هي "الرجز" و"الكامل" و"الرمل" و" المتقارب" و"المتدارك" و"الهزج" وإنضم إليهم "السريع" و"الوافر"، طاعنين بالاقحوان منابع الأشكال حيث الحضور الأصم الثابت ...الذكر.
كيف للغة الشعرية أن يكتمل صلصالها التخيلي/الكشفي من دون تلك البحور الثمانية التي تحمل صفات الجسد المؤنث، تلك الصفات التي تشترط الحياة ومنحها من حدود "الفناء" و"النهاية"، فكل تلك البحور مرآة للجسد المؤنث، مرنة تزداد وتنقص حسب شروط الحياة المتوالدة أقحواناً في متونها وأرحامها، بإنبثاق جسد من جسد ومعنى من معنى وصوت من صوت، ثم يعود ليتقلص فيلعو فيه "النبر" و"النزف" دونما أن يفقد حياته. إن تلك البحور الثمانية التي إنضمت لحملة "الملائكة" وثورتها على سلطة العرش/الذكر وكأي ثورة لابد لها أن تنطلق شرارتها من الشعب، فكانت تلك البحور"الأكثر شعبية وتواضعا وقرباً للناس ومنهم وإليهم، وفيها البساطة والليونة والخفة".
أما البحور الأخرى، فهي بحور الفحول، بها من سمات الفحولة جهوريتها وصلابتها، واستوثاق تقاسيم الذكورة الجسدية واضح فيها، فهي لا تقبل التمدد ولا التقلص، فلغتها الشعرية ذكر فحل، "وكونه عموداً صلباً راسخاً لا ينزف ولاينتفخ".


 "مزجت بين النار و الثلوج –
لن تفهم النيران غاباتي ولا الثلوج




وسوف أبقى غامضاً أليفاً
أسكن في الأزهار و الحجاره
أغيب 
أستقصي
أرى
أموج
كالضوء بين السحر و الإشارة"


أدونيس – "الإشارة" من ديوانه "كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل"




إن تحالف "الملائكة" مع النصف المؤنث من بحور العروض، هو عين الثورة وإعلان الرفض الحاسم، على النسق الذهني المذكر الذي يعتمد عليه الشعر، ومحاولة تكسير العمود الذكوري في الشعر الأقرب للفكرة الأداتية للقضيب. وقد كان للملائكة ما أرادت، وهو مايعد انتصاراً للقصيدة الحديثة يسمح لها بأن تتجدد وتتحرر وتنعتق، فكان ماسمته "الملائكة" "الشعر الحر"، و إن كانت قد أسمته -هي نفسها- في مواضع أخرى "شعر السطر الواحد"، وهو مايستدعي في أذهاننا تفسيراً لقلة التوجه الشعري إلى "التشطير" حتى ولو بداعي "التقسيم الموسيقي الداخلي"، لما في ذلك من إعلان هزيمة ذكورة أمام البنية الذكورية المهيمنة.
إلا أن كل تلك المسميات –"الشعر الحر" و"شعر الشطر الواحد"- وماتلاها من مسميات لنقاد آخرين – ذكوراً كانوا أم إناثاً- ليسوا إلا محض انتصارات للنسق الذكوري للشعر ، صاحب السيطرة الثقافية، إما عن تواطؤ أو عدم دراية ، فـ"كثيراً ما يكون الإسم ظالماً لمسماه ، أو ملقياً عليه ظلالاً من الشبهات وخاصة إذا كان هذا الإسم وصفاً، لأن الصفة عندئذ تستدعي نقيضها، كما يستدعي البياض ذكر السواد. وعندئذ تلتمع المقارنة ولا ينال الإسم رضا سامعيه إلا إذا اتضحت المناقضة ايما اتضاح وثبتت أشكالها و ألوانها".
إلى أن ولدت تسمية "شعر التفعيلة" ، بعد خمسة عشر عاماً على المؤنثة على إسم  يؤنثها جزءاً من حقها، ليظل الأصل المذكر والفرع المؤنث.





"الطرق كلها هكذا: مشقات في ترجمة السوسن إلى لغة المنثور".
سليم بركات – "السيل"



"فاينيموينن العجوز الأمين



كان يصنع بالغناء قارباً،
وهو يدق على صخرة،
كانت تنقصه ثلاث كلمات،
لكي يصنع جانبي القارب،




فذهب في طلب الكلمات"

من أشعار الملاحم الكاريلية القديمة في روسيا.





وإن كان البعض قد زعم أن الحداثة العربية قد انحصرت في الشعر فقط كما فعل أدونيس وإحسان عباس، وأن لا حداثة في غيره من أنواع الخطابات الثقافية الأخرى، فتلك نظرة تقوم على فصل الخطاب الشعري والقذف به في الفراغ مجرداً من أي إتصال مع أي نسق ثقافي وحضاري آخر للأمة، وهو ما نراه مجانباً للصواب بقدر غير يسير، فالتأنيث في الشعر وما أحدثه ذلك في الجسد الشعري العربي من تحرر وإنطلاق، كان الحلقة الوسطى بين محركات إبداعية ذاتية نبعت عن أكثر صور الذات العربية تعرضاً للقهر والقمع في مجتمعاتنا وصولاً لأنساق سردية وموسيقية وصوتية وبنائية جديدة، هي تمهيد لبعث الروح التحديثية في أجناس فنية وأدبية أخرى كالرواية مثلاً، حيث الراوي أصبح خالقاً لعشيرة متخيلة عبر السرد الحر، متنقلاً بشكل أرحب في وسائط سردية لايمكن إلا أن نلاحظ الفارق بين هياكلها ماقبل وما بعد حادثة تأنيث "الملائكة" للشعر، "إن تجربة القصيدة لحرة علامة كاشفة على حالة الاتصال و الانفصال، التكرار والاختلاف، وهي مسعى لابتكار الذات نموذجها الخاص معتمدة على المنجز القائم الذي لم تسع إلى إلغائه ولكنها أقدمت على تفكيكه ففتحت بذلك منافذ لها اقتحمت عبرها أسوار النموذج مما فكك المعيار الرسمي ومكن الذات المبدعة من التغلغل إلى الداخل ومن ثم إعادة إنتاج الموروث وإعادة تكوينه".




لذا فليس من الصحيح المصادقة على أن الحداثة العربية اقتصرت فقط على الشعر، وذلك لأن التحول في البنية الشعرية وإن لم يصل لتمام التحول في البنية اللغوية المنطقية للأمة –وإن بدت مظاهره واضحة في بعض المواضع- هو تحول في أكثر الفنون اللغوية تأثراً و تأثيراً فيما يسمى بالزمنية الجامعة –بحسب بندكت أنردسن- لجماعة ما بعينها.
إذ أن ذلك التحول، ترك آثاراً عدة، أهمها سؤال الهوية وعلاقتنا بالآخر من ناحية والبدايات من ناحية أخرى، وكذلك مواثيق إدراكنا لذاتنا تاريخيا، عبر القراءة من الطرف للمركز وليس العكس كما يذهب إلى ذلك هومي بابا، تلك القراءة التي ينبع منها الخطاب السلطوي.

"النقد ونقد الذات تحديداً ومسألة المنجز التاريخي، مع السؤال عن دور الذات المفردة وعن موقعها في النسق الثقافي و في نظام العشيرة، وهذه أسئلة موجودة في كافة الأفعال الثقافية. ولقد كان جواب الشعر عليها هو الأبرز لأن الشعر هو أبرز ما في ثقافتنا وهو الوجه المكشوف دوماً لنا". ويسجل لحركة "الشعر الحر" أو "شعر الشطر/البيت الواحد" أو "شعر التفعيلة" أنها كانت السباقة لطرق باب "المحرم" و "الممنوع" في الذهنية الثقافية وتفكيكه، وهو –التفكيك- المصطلح الذي يهابه الكثيرون من أصحاب عقلية الإتباع والأصولية وغيرها من الأنساق الذكورية التي تتمركز حول الذات فقط ، ولا تعطي مجالاً للآخر كما تفعل الأنوثة في أعلى تجلياتها المانحة للحياة على حافة "الفناء"، "إستجلاءاً" و "كشفاً" للوجود الإنساني في هذا الكون.


هكذا تولد الكلماتُ . أدرِّبُ قلبي
على الحب كي يَسَعَ الورد والشوكَ ...
صوفيَّةٌ مفرداتي . وحسِّيَّةٌ رغباتي
ولستُ أنا مَنْ أنا الآن إلاَّ
إذا التقتِ الاثنتانِ :
أَنا ، وأَنا الأنثويَّةُ

م.درويش – "لاعب النرد"
 
الجزء الرابع
 

"أما تعليم النساء القراءة والكتابة فأعوذ بالله، إذ لا أرى شيئاً أضر منه بهن، فإنهن لما كن مجبولاتٍ على الغدر كان حصولهن على هذه الملكة من أعظم وسائل الشر والفساد، وأما الكتابة فأول ما تقدر به المرأة على تأليف الكلام بها، فإنه سيكون رسالة إلى زيد ورقعة إلى عمرو، وبيتاً من الشعر إلى غرب وشيئاً آخر إلى رجل آخر، فمثل النساء والكتب والكتابة كمثل شرير سفيه تهدي إليه سيفاً، أو سكير تعطيه زجاجة خمر ، فاللبيب من الرجال من ترك زوجته في حالة من الجهل والعمى فهو أصلح لهن وأنفع".

 خير الدين نعمان بن أبي الثناء، "الإصابة في منع النساء من الكتابة."
 
ولأن وجود المدلول مقيد بالدال، فنحن كـ"موضوع" نتمظهر "ذاتاً" لغوية، وبالتالي فالإنسان وجود لغوي ، فباللغة تكون "الإشارة" وبالتالي التسمية، تبعاً للـ"مصدر"، تعاقبياً (إشارة مصدر)، فيُعطى الإنسان حينها حيزه الوجودي المتجاوز له والمتماهي مع قيمة الوجود الإنساني المطلقة والساعة إلى الخلاص، باعتبار أن "الإنسان يسعى إلى الجمال في كل فعل" –بالمنطق الماركسي، فمثلاً إذا تظاهر جمع من السيدات في الفضاء العام (ولفظة فضاء عام تقتضي الجمع و المساواة في الحضور، وذلك محض افتراض مطلق) يطالبن بحق من حقوقهم، فيصير وجودهن اللغوي محدداً أولاً بـ"هن" (الإشارة) ومن ثم "يتظاهرن" (الفعل الوجودي)، فيصرن "متظاهرات" (مسمى/إسم فاعل)، ولكن تلك الإشارة لذلك الفعل والوجود القيمية له ، لا يتحدد بهن كفاعلات مستقلات عمن هو خارجهن، فمثلاً إذا قرر رجل/ذكر الإنضمام لتلك التظاهرة، باتت الإشارة التي يفترض أن تستند على الأقل لقاعدة العدد: حيث عدد الإناث أكبر في الفرضية اللغوية من عدد الذكور هو ذكر وحيد مهددة و متحيزة، إذ تتحول من "هن" إلى "هم"، وعليه يصير الفعل الوجودي : "يتظاهرون" فصاروا "متظاهرين".
أي أن فردا ذكراً واحداً يعادل وجودياً وذاتياً وموضوعياً بل وقيمياً جمعاً من السيدات بفضل تحيز اللغة ومؤسسيتها الذكورية.
 
إن التذكير في اللغة هو الأصل، وما كان له أن يكون كذلك لولا أن التأنيث هو الفرع، وبالتالي نصل لحالة من "التعريف بالسلب"، فتتحول الذات المذكرة لمذكرة لا لذاتها فقط إنما لتأنيث واقع على الآخر، بلفظ آخر: أنا أنا لأنها هي هي، وليس لأنني أنا من أنا (الذات ليست ذاتاً لذاتها إنما لأن الآخر آخر).
 
وذلك التأسيس الجنوسي في اللغة هو تأسيس سلطوي في الخطاب، يهدف إلى السيطرة على "حيز الوجود" للذات المؤنثة"، أياً كان ذلك الخطاب، أو كما قال ابن كثير على العلم –كخطاب- في "البداية  النهاية": "العلم ذكر لا يحبه إلا الذكور و يكرهه مؤنثهم".
 
ولأن حضور الأنوثة في الذات الإنسانية محكوم بالبنية اللغوية السلطوية التي تمارسها الذات الذكورية، بات جلياً لماذا كانت اللغة أول المؤسسات الفحولية وأقواها وأكثرها قمعاً، وتفريخاً للكثير من الأنساق الثقافية الفحولية والتي منها للمثال لا الحصر الدين (ومنه انبثق المعبد/الكاهن)وكيفما كانت تلك السلطة الثقافية الممنوحة للذكورة: جسدية، جمالية ، أخلاقية ، اقتصادية .... إلخ، إنما تتحدد بـ"الآخر" الذي تقع عليه، وبالتالي بات تحديد الذكورة كمركز للقوى في "ذات"ـها وما تمنعه عن "آخر"ها، كثبوت والاستقلالية الدلالية كعلامة،  فنرى في الإنجليزية مثلاً:
Man 
وهي علامة دلالية تامة المعنى تقوم بذاتها، تعبيراً وصفياً و إدراكياً: تسمية للذكر، أما:
Wo
فهو مقطع صوتي لا يقوم بذاته لا من ناحية الدلالة ولا العلامة، ولذا وجب إلحالقه بالذكر التام الدلالة والعلامة ليأخذ معناه ووجوده الأنثوي، وهو ما يعرف بعلاقة: الطرفـ/ المركز، فتصبح:
Woman
 
أي أن القمع هاهنا لا يدرس من ناحية تأثيره المباشر على الإدراك الذاتي للذات، ولكن من حيث ما يستثنيه ويمنعه، وهو الوجه الآخر للعنف أو مالا يقال من القصة–بحسب باربرا ويتمر: الإدراك الآخروي للذات. وهو ما يمكن ملاحظته في الأسبانية والفرنسية كذلك، وهو أقرب ما يكون من حيث الدلالة المعنوية لعلاقة المركز الطرف إلى السرد الأسطوري الشهير عن خلق حواء من ضلع آدم.
(بعيداً عن تهافت منة الثقافة الاقوى على الضحية بالقول الثقافوي: أن حواء خلقت من ضلع يحمي القلب).
 
وماذا أكبر من سلطة الوجود والقيمة الإنسانية، لتصبح استحواذاً ذكورياً يعطي كامل السلطة والقوة للذكر من قصة "خروج آدم و حواء من الجنة" في سفر التكوين، التي كانت مبتدأ الوجود الإنساني والقيمة في سؤال الإنسان عن ذاته. وهنا كما سيتضح معنا ، يكون مبتدأ الإدراك الإنساني متحيزاً، لبناء نسق سلطوي إدراكي ذكوري.
 
إذ كانت هناك "أربع ذوات" عاقلة واعية لنفسها في الحدث: الرب وآدم وحواء والأفعى، وهي ذوات تتشابه في أنها تعرف نفسها بنفسها فالأفعى ليست آدم ولا حواء ولا الرب مثلاً، وبالتالي فأول الظهور لتلك الذوات هو التعيين والإدراك :"التسمية اللغوية"، على خلاف شجرة المعرفة وشجرة الخلود ، فكلتاهما من جنس الشجر، ولكن كذوات لا يعرفون أنفسهم بأنفسهم، أي دون وعي ذاتي بالذات.
 
وهو المتحقق في "المعرفة"، حيث أن آدم و حواء لا يعرفان ماذا بعد التفاحة؟ فالمعرفة هاهنا موجودة في حيز المطلق الإلهي  ليس النسبي الإنساني، أي أنها ذات لاجنس لها، خرساء نائمة، مغتربة في التفاحة، خارج منطق سلطة الخير والشر أو الصواب والخطأ ، أي أنها معرفة متحررة من قيد الثقافي وبنيته الهيراركية.
 
إن غواية الأفعى لحواء اعتمدت على "ميل" ماعند حواء للإستكشاف والخروج عما لا يجب الخروج عنه وهو "أمر" الرب. فالذات/الأنا يمكن أن "تميل"، وذلك الميل هو الذي يؤسس لقدرها وهويتها ، فميل الشيطان/الأفعى للنار هو الذي يؤسس لقدره، فالنار لا تستطيع البقاء دونما أن تتغذى على غيرها، وبقاؤها في فناء غيرها، بينما الملائكة بهم ميل للنور، يسيرون في خطوط مستقيمة لا تعرف الميل عما طلب منهم.
 
والوجود والحوار الإنساني مع "الميل" هو أصل القيمة الإنسانية، فمثلاً "الوصايا العشر" في جوهرها هي "لائحة من الميول الممنوعة" تواترت على اختلاف التقديسات الخطابية بين وصايا عشر وخطايا سبع وغيرها. وهنا يأتي الميل الأنثوي للتحرر والإبداع وكسر القيد والبنية الرأسية التي أسست للمعبد، وبالتالي كسر النسق المؤسس لفكرة "الصواب/الخطأ" أو "الخير/الشر" بالمنطق الثقافي، حيث ذلك الميل الأنثوي إنما هو عودة بالمعرفة والفكرة إلى حيزها المطلق/الإلهي/الجناني. وبالتالي كان التعري هاهنا ليس في منطق "العري" ، إنما في منطق المعرفة، فإدراك آدم و حواء لعريهما لم يكن ليكون قبل المعرفة/الأكل من التفاحة ، أي أنه منطق ثقافوي ، فالعري يتحقق بالمعرفة إذ تتحول إلى سلطة التحريم و المنع و ليس قبل ذلك/قبل تناول التفاحة.
 
وهنا وجب تدخل اللغة، فبمجرد الأكل من التفاحة، وبالتالي الخروج من الجنة (حيث لم يرد في أي سرد زمنية فارقة) وإنتقال المعرفة إلى حيز اللغة والوجود الإنساني/اللغوي، ظهرت فكرة السلطة والقمع في الخطاب لصالح الذكر (يذكرنا ذلك بربة الشعر التي تحولت إلى شيطان شعر، فنزعت عنها أنوثتها لا شعرها)، فقمعت الأنثى لصالح التنافس الذكوري النسقي بين الشيطان إذ نزع عنه تأنثيه "الأفعى"، و آدم:
 
1.الغواية: يمثلها الشيطان/الذكر (حيث لم تخرج الأفعى لضوء المنافسة حتى في سفر التكوين).
2.القانون: يمثله الرب/الذكر اللغوي (كما سنرى تباعاً).
3. الإنسان: يمثله آدم/الذكر (وهنا تم استحواذ الإنسانية لصالح الذكورة فباتت الأاصل في الأمر لغوياً).
 
ويبدأ معه الإتفاق الذكوري تحت غطاء المنافسة على قمع الأنثى والميل الأنثوي ، فتصير الاستجابة لذلك الميل مستحقة للنار وصحبة الشيطان، وقمع ذلك الميل المؤنث هو عين التقرب إلى الله الذات المطلقة واسترداد الجنة التي أضاعها إستماع الإنسان/في صورة آدم/الجذر إلى ميله الطاريء على أصله من روح الله لكسر قانون الرب.
 


وهنا تبدأ عملية إنتاج الأنساق القمعية، عن طريق تفحيل الآلهة وتقديس الذكورة وتأصيلها إنسانياً، وثقافوياً، فلم نسمع يوماً عن نبي أنثى، حتى أن كلمة "نبي" لا تأنيث لها. ونرى الكثير من الأديان التوحيدية والوضعية، تتعامل مع التأنيث باعتباره الطرف من المركز المذكر، أي أنها علاقة سلطوية، فنرى قوانة مدعاة للرجل، و طهراً له يقابله دنس أنثوي . ويصبح التدين والنزوع إلى الجذر التوحيدي للخلق، أو الروح التامة له: الله، هو فعل ذكوري قطيعي، فمثلاً تصبح الصلاة وهي التي في ذاتها وأصلها فعل فردي روحاني بالمقام الأول، تمظهراً لغوياً في الفضاء العام، تتبع سيرورة "الجمع المذكر السالم" بالتمام أو ما يقاربه، وهي صيغة لغوية يشترط فيها أن تكون من علم مذكر عاقل خال من تاء التأنيث الزائدة (لاحظ/ي كلمة "زائدة")، وهي شروط مشددة تحصن الذكورة من شوائب التأنيث والحيوانية معاً، والمعية هاهنا معية ثقافية /سلطوية/رأسية، تعرف الأعلى بالأدنى، قائمة على أن الحيوانية دونية بالقطع و الإطلاق. فحينما يشترط أن يكون (عاقلاً) هو إحالة إلى معنى حساس يشرحه عباس حسن في كتابه "النحو الوافي" قائلاً:
 
"ليس المراد بالعاقل أن يكون عاقلاً بالفعل، وإنما المراد أنه من جنس عاقل كالآدميين (والنسب هنا إلى آدم وليس إلى بني البشر) والملائكة، فيشمل المجنون الذي فقد عقله، والطفل الصغير الذي لم يظهر أثر عقله بعد. وقد يجمع غير العاقل تنزيلاً له منزلة العاقل. إذا صدر منه أمر لا يكون إلا من العقلاء فيكون جمع مذكر". 
 
وهنا يحق للطفل وللمجنون والطفل وكذا الحيوان الذكي (!!) أن يدخل قلعة المذكر السالم ، أما الأنثى فلا، وهو ما يعود بنا إلى المنطق الفوكوي–نسبة إلى ميشال فوكو في تحليل الخطاب الذي يتناول العقل والجنون باعتباره خطاب قمع وسلطة. وهو بالضبط ما تم اتجاه الدين بمعناه المطلق، وتحويله إلى نسق ثقافي/ سلطوي /فحولي (وليس فقط ذكوري) ولي عنقه، وباتت فيه الآلهة بمعناها المطلق المتحرر، عرضة لعمليات مكثفة من التفحيل اللغوي، فبات "الله" وهو اللفظ التام المعنى والدلالة والجلالة  المتحرر من قيد الجنوسة (تذكيراً و تأنيثاً) بالإطلاق والإلمام معاً، محاصراً بتسعة وتسعين فحلاً لغوياً لإدراكه ، فبات "عليماً" لا بعلمه فقط وإنما بجنوسة ذلك العلم الثقافية، وكذلك "الرحيم" "الكريم" "العطوف" "المنان" إلى آخره من الصفات والإشارات الفحولية، وهو ما نسميه حصاراً فحولياً مادياً للذات الالوهية المتجاوزة.

***
إن الاستماتة اللغوية في تعريف العلامة التامة بنقيضها، وإن انطلقت من حتمية أن "العلامة تحمل نقيضها معها" كما قال الجرجاني، إلا أنها تعمد إلى تجاوز ذلك وتحرير العلامة الذكورية و إلحاقها وهي النسبية بالمطلق ، في مقابل تصنيم من "صنم"-المقابل الأنثوي لها، وتقييده بثبوت متدن أمام المطلق المتجاوز الذكر الأقوى وكيل الرب. وهو ما يمكننا رصده في كل مظاهر الثقافة التي تناولت تلك اللحظة الوجودة المؤسسة للتجربة الإنسانية ككل: لحظة الخروج من الجنة/المطلق.
 
فنرى أن تناول الذات الإنسانية المؤنثة في تلك اللحظة إنما هو تناول يعتمد على الثبات الصوري نسبة إلى الصورة وإن ظهر متدرجاً، لصالح درجة أكثر تحرراً وسيولة فيما يتعلق بتناول وإدراك الذات الذكورية، وهو ما يخدم مقولة الناقد الإنجليزي داني شيشتير: "كلما زادت المشاهدة قلت المعرفة".
 
فتشكيلياً في العصور الوسطى تم تناول السرد فيما يتعلق بالخروج من الجنة في حيز زماني ومكاني كبير فنياً بشكل نسبي، فلننظر مثلا إلى لوحة "السقوط و الخروج من الجنة " للرسام بول دي لمبورغ، في القرن الخامس عشر:
 
 

["السقوط والخروج من الجنة" لـ دي ليمبورغ]
 
حيث نجد نوعاً من المساحة السردية تشكيلياً، تضمن ولو بدرجة متدنية القليل القليل من الحرية الغير خارجة عن النسق السردي خطابياً.
 
ثم يأتي مايبوس في القرن السادس عشر ليصور لنا تشكيلياً المشهد ولكن ضمن فضاء سردي يكاد يكون معدوماً، ويكثف عناصر الثبات الصوري، في لوحته "آدم و حواء"، محققاً مقولة شيشتر السابقة، والتي انطلقت لتنطبق على الثقافة الخطابية التلفزيونية:

 
["آدم وحواء" لمايبوس]
 
وفي تمظهر آخر، في لوحة "الخروج من الجنة" لتوماسو دي سير جيوفاني كاسي (ماساجيو)، والتي كما يوضح اسمها تصف الخروج من الجنة، نجد أن الرائي/المشاهد يرى/يعرف دلالة الموقف من عناصر مختلفة في الصورة/الخطاب التشكيلي، فنرى تباكي آدم إذ يغطي وجهه وهو مناط الهوية التعبيرية الأول إنسانياً، فأول التعبير الإنساني جسدياً هو الوجه، وهو الذي يميز البشر من بعضهم، وبالتالي فدورة في تحديد الهوية الفردية يعد الأقوى من عناصر الجسد لصالح الإنسان/الفكرة: الهوية، بينما حواء تتباكى في الوجه بوضوح، بينما ذاتها "ميلها" الإنساني إنما هو ميل جنسي/مادي/فيزيولوجي، يؤسس لفكرة أن ذلك الميل هو العورة، والتعري ومنطق خروجنا من الجنة، وهو ذات المنطق الذي يؤسس لقداسة تشييء المرأة وتسليعها كجزء من جغرافية الجنة ومتاع الدنيا، فهي بيولوجيا مادية وليست إنسانية متجاوزة القيمة.
 

 
["طرد آدم وحواء من الجنة" لماساجيو]
 
(وهنا تعيد الثقافة الذكورة تجبرها و منتها على الضحية ، فتسمي الحجاب و النقاب مقاومة ، في حين أنه لا يكسر خطاب القمع الذكوري بل يؤسس له أكثر):
 
ومع تنامي علمنة الثقافة مع بدايات عصور التنوير، لم يتم تحرير الأنثى من سطوة الفحولة الثقافية، مع أن العلمانية تقوم في ذاتها على تفسير الظواهر بما فيها لا بما يتجاوزها، ولكن تظل العلمانية نسقاً ثقافياً يخضع لبنية السلطة في جسد الثقافة الإنسانية عموماً، والبنية اللغوية خصوصاً، فباتت العلمانية وسيلة لتحرير الصورة وليس تحرير الأنثى، أي أنها لم تستطع من الأمر شيئاً.
وكان من الطبيعي أن ينتهي الأمر بالأنثى المسورة من السور بالصورة، إلى نماذج مثل الموناليزا بنظراتها الملغزة، والمتروكة للتأمل الثقافي الذكوري، ثم السينما ونموذج مارلين مونرو اللعوب الفاتنة، وتصدير تلك الدرجة من الثبوت الصوري في موقع الطرف من المركز الذكوري: الرجل الواقع عليه كل تأثير الفعل الوجودي الأنثوي.
 
فكانت عناصر تثبيت المرأة الجسد/الميل للخطئية وكسر القانون، في صورة تسعى لنيل رضا الرجل/الذكر في المركز: مثل مسابقات الجمال والطبخ، المباركين من الثقافة الذكورية البيضاء.
حتى في الحب والعشق ، نرى الرجل إذا ران الإكتمال بمعشوقته، بات مجازاً غير متحقق في الواقع، و الموت خير ثبوت لها في السعي لحرية الذكر المجازية وانقلابه على قيده، مما يستلزم على العاشق في خطاب العشق أن يتحول من كائن واقعي إلى كائن مجازي، فهو ذليل ومجنون ومقتول، وتتحول مهمته في الوجود من رجل عمل ومسؤولية إلى ذات فاقدة لكل شروط البشر السوي مجتمعياً. ومن أدق شروط هذا التكوين المجازي ألا يتزوج العاشق معشوقته لأن هذا الرابط العشقي هو رابط نفي وإلغاء وليس رابط إثبات وتأكيد. كما أن من شروطه تعاسة الاثنين العاشق والمعشوق: ما بأيدينا خلقنا تعساء ( كما في أطلال إبراهيم ناجي )، ولكي يفقد الرجل عقله ولبه وحياته ولكي يتحول إلى كائن ضعيف مستلب لا بد من أن يظل بين/بين، فلا هو هنا ولا هو هناك، ولا هو ممسك بعاشقته ولا هي ممسكة به،ولا هو سال عنها ومنصرف، إنه خطاب في الخروج والاغتراب وليس في الوجود والتحقق، ولكي نتصور هذا فلنقرأ قول جنادة:
من حبها أتمنى أن يلاقيني / من نحو بلدتها ناع فينعاها
كيما أقول فراق لا لقاء له / وتضمر اليأس نفسي ثم تنساها
ولو تموت لراعتني وقلت لها / يا بؤس للموت ليت الموت أبقاها
هنا تتجلى فكرة التحويل المجازي فهو لا يريد حبيبة متحققة، لأن من شرط الحب المجازي هذا ألا يتحقق عمليًا، ولكي يضمن عدم تحققه فإنه يتمنى لو أن خبراً يأتيه يقول إنها قد ماتت لكي تتأكد له (لا واقعية) هذه المعشوقة، وهذا الفقد هو لتحقيق الفراق، بما أن اللقاء ليس من سمات خطاب العشق. غير أن هذا الموت المتمنى سيحرمه من معشوقة مجازية، ولذا فإنها لو ماتت فعلاً فسيدعو على الموت ويا بؤس له ليته أبقاها، وذلك لكي تظل صورة مجازية لحكاية يهم الشاعر بصناعتها ولا يريد تحققها، من جهة، ولا يريد زوالها، من جهة ثانية.
"إن ميل حواء إلى أكل التفاحة هو ميل لقطع المسافة التي تفصل المعرفة النائمة اللاواعية في التفاحة عن الرب كأعلى أشكال الوجود وعياً بذاته؛ إنها رحلة بين الأرض و السماء، بين موضوع التفاحة ووعي الرب الخالص".
حسين البرغوثي، "الفراغ الذي رأى التفاصيل"
 

 

 
 

Wednesday, March 13, 2013

Is medio­crity more acceptable in men?

عن "المساواة في المناصب العلمية" من مجلة نيتشر:
 
ولعل أحد أهم الاقتراحات في هذا السياق هو فرض نظام المحاصصة "الكوتة". ففي بعض السياقات، مثل الترقي الأكاديمي، قد تثبت هذه الآلية قدرتها على التأكيد على وجود أدوار نسائية للعلماء النساء صغيرات السن؛ إلا أن البعض يرى أن فرض هذه "الكوتة" للنساء في المناصب الأكاديمية القيادية، كمنصب الأستاذ الجامعي مثلا، سوف يؤدي حتما إلى ترقية المرشحات من أصحاب الكفاءة المتدنية . لكن يبدو ثمة ازدواجية في النظر إلى هذه القضية. إن النساء والرجال جميعا يتمتعون بذات القدر من حيث امتلاك المواهب  دون تمايز لأحد على أحد، ومن ثم فإن شغل الرجال لغالبية المناصب القيادية سوف يترتب عليه حتما وجود نسبة كبيرة من الرجال ذوي المستويات المتدنية بهذه المواقع. والسؤال الآن: هل تدني المستوى أمر مقبول في الرجال؟
 

Sunday, March 10, 2013

سالي الحق: عن الحركة النسوية المعاصرة

"لا يتحسن وضع المرأة في مصر، لا سياسياً ولا اجتماعياً. فمثلاً، تجري حالياً مناهضة الحركات الإسلامية المتشددة كالحكومة الإخوانية والتيار السلفي، لكنّ العبث يتجلى عندما نرى ناشطات وناشطين يعرفون أنفسهم كعلمانيين يريدون دولة مدنية، ويدعون إلى الدين الوسطي ــ الإسلامي بالطبع ــ فيدعون مؤسسة الأزهر إلى مساندتهم، متجاهلين أنّ أيديولوجية تلك المؤسسة أنّها مع مساواة المرأة، لكن بالطبع بما لا يخالف شرع الله ".
 

Thursday, November 8, 2012

درس قراءة آخر ممل...لفهمي هويدي


 تقول الأسطورة أن المتحدثين عن ظاهرة التحرش أربع أنواع
1- الغبي الفاشي: المرأة فقط هي سبب التحرش و الأمر ليس ظاهرة بل مجرد حالات متفردة.
2-  العاقل السمج: أنا متفق معك تماما إنها مشكلة خطيرة خطيرة... يتبعها بتنظير عتيق عن الأسباب الاجتماعية، المهم دون تطرق لنقد أي مؤسسة سلطوية دينية، سياسية، أو بنية اجتماعية متهالكة قائمة على النفاق.
3- المتحذلق الممل: الأمر معقد جدا و له 2 مليون و نصف سبب، سينتهي وقت الحلقة على أي حال في ذكر السبب الأول.
4- التافه: إن في هذا إساءة لسمعة مصر لا نعرف من أين تأتي تلك الاحصاءات التي تقول أن معظم النساء تعرضن للتحرش
و تشترك جميع الأنواع السابقة في الوصول لنفس النتيجة: لا يوجد حل، نحن نناقش الأمر كضرورة اجتماعية و مصدر رزق لا بأس به   
 
المثال التالي للتوضيح 
 
تقلقنا مسألة التحرش من أربع زوايا على الأقل. الأولى أنه تحول إلى ظاهرة فى مصر. الثانية أن صبية وفتيانا صغارا تتراوح أعمارهم ما بين 10 و15 سنة يشاركون فيها. الثالثة أن المجتمع يقف منها متفرجا ويتعامل معها بسلبية محيرة. الرابعة أننا تصورنا أن الشرطة سوف تتكفل بالأمر وتعالجه.
تتحدث الصحف عن أنه فى القاهرة وحدها حررت الشرطة ما بين 700 إلى ألف محضر لحالات التحرش خلال أيام عيد الأضحى، ومعلومات الصحف هى التى أشارت إلى الفئات العمرية للمشاركين الذين تبين أن ثلثهم من هؤلاء الصبية والفتيان الصغار، فى حين أن أغلبية الباقين ممن يقلون فى العمر عن 30 سنة. ولست متأكدا من صحة ما ذكرته إحدى الصحف عن أن الرئيس محمد مرسى تطرق إلى الموضوع أثناء اجتماعه مع وزير الداخلية يوم الثلاثاء الماضى (30/10). إلا أنه من الواضح أن تناول الموضوع لم يعد مقصورا على الصحف ووسائل الإعلام المصرية، لأن الصحف الغربية ـ الانجليزية والفرنسية والأمريكية ـ تحدثت عنه أيضا بعد تعرض بعض الصحفيات الغربيات للتحرش فى ميدان التحرير.
إن شئت فقل إن فضيحتنا صارت على كل لسان. لكن ليس ذلك كل ما فى الأمر، لأن الأسوأ ألا نعتنى بتحليل الظاهرة وتحرى جذورها، وأن نترك علاجها لرجال الشرطة (للعلم فإن صحفا تحدثت عن مشاركة بعض عساكر الشرطة فى التحرش بكورنيش النيل). لقد عرفتنا الصحف بماذا حدث وذلك شىء مفيد ومهم فى الإخبار بالحدث وتحرير الظاهرة، ولكن لأننا لم نعرف بعد لماذا حدث فقد فشلنا فى تحليل الظاهرة.
كلما قرأت شيئا عن التحرش أتساءل: أين تربى هؤلاء الشبان. ومن الذى قام بتربيتهم؟ وبمضى الوقت ترسخت لدى قناعة بأننا نواجه أزمة تربية فى مصر. فالآباء والأمهات مشغولون بالركض وراء لقمة العيش والمدارس لم تتخل فقط عن دورها فى التربية ولكن يبدو أنها تخلت أيضا عن دورها فى التعليم. بعدما أصبحت الدروس الخصوصية هى الأصل فى التحصيل. والإعلام صار مشغولا بالتسلية والتجارة والإثارة، ولم يعد مشغولا بتوجيه الناس أو ترشيد سلوكياتهم، كما يحدث فى أغلب الدول المتحضرة. النتيجة أن الأجيال الجديدة أصبحت تربى إما على التليفزيون، أو فى النوادى والشوارع. ولما لم تعد لدينا جهة أو جهات مسئولة ومعنية بمسألة التربية وتهذيب السلوك، فإن الباب انفتح واسعا لمختلف احتمالات الجنوح أو الانحراف.
لا أستطيع أن أعمم بطبيعة الحال. لأننى أعرف أسرا تفرغت لتحصين أبنائها ورعايتهم، ولا أستطيع أن ألغى وجود شرائح من الشباب لاتزال قابضة على دينها، وهؤلاء لهم وجودهم الملحوظ فى المساجد وأنشطة الجماعات الدينية التى تربيهم على نحو آخر. قد نختلف معه أو نتفق، ولكنه فى كل الأحوال، يحول بينهم وبين المشاركة فى حملات التحرش. ولا غرابة فى ذلك لأن بلدا مثل مصر يضم أكثر من تسعين مليون نسمة سيجد الباحث فيه مختلف أنواع السلوك ونماذج البشر، السلبى منها والإيجابى.
نقلت انطباعاتى هذه إلى الدكتور على ليلة أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس فوجدته قد صاغ الأمر على نحو أفضل مما ذكرت. إذ أرجع ظاهرة التحرش إلى عاملين أولهما ضعف البنية الأخلاقية لدى الأجيال الجديدة. وهى التى نشأت فى بيئة ثقافية لم تكترث بالتربية وتهذيب الضمير الفردى الذى يمكن الإنسان من التحكم فى غرائزه، الأمر الذى أسهم فى تفكيك المنظومة الأخلاقية، ليس لدى الأبناء والبنات فحسب، وإنما لدى الآباء والأمهات أيضا.
العامل الثانى تمثل فى الدور السلبى الذى أصبح يقوم به التليفزيون ووسائل التواصل الاجتماعى التى باتت متاحة لكثيرين. ذلك أن ما يبثه التليفزيون وما يتناقله «النت» من مواد فاضحة أسهم فى تضخيم بنية الغريزة التى تكفلت بإضعافها مؤسسات التنشئة الاجتماعية المختلفة (البيت والمدرسة خصوصا). هذان العاملان يقفان بقوة وراء ظاهرة التحرش. التى تحتاج إلى دراسة بأكثر مما تحتاج إلى إجراءات أو قرارات إدارية لعلاجها. فى هذا الصدد قال الدكتور على ليلة إن الاعتماد على الشرطة فى التعامل مع الظاهرة بمثابة كارثة تفضح القصور فى تشخيص المشكلة وتحليلها.
وكرر التأكيد على الدور المهم للتليفزيون، الذى ذكر أنه سحب مساحة التنشئة من الأسرة والمدرسة، وتحول من وسيلة يمكن أن تسهم فى بناء الأمة وترقيتها، إلى سلاح يخرب المنظومة الأخلاقية ويعيق التقدم والنهوض الحقيقيين. وتلك ليست مشكلة التليفزيون أو وسائل التواصل الاجتماعى، لكنها مشكلة الذين يفشلون فى توظيف تلك المنابر فى الاتجاه الصحيح.
إن الأمر يحتاج إلى حوار موسع وبحث معمق يحترم التحليل العلمى والموضوعى، ويستبعد الحل الأمنى.

Tuesday, August 28, 2012

نصر حامد أبو زيد : قضايا المرأة في البعدين السياسي و الديني

إذا كانت قضايا المرأة في جوهرها قضايا إنسانية اجتماعية، بمعنى أنها قضايا لا تنفصل عن قضايا الرجل، فهي من ثم جزء جوهري أصيل في قضية الوجود الاجتماعي للإنسان في واقع تاريخي محدد. هذا هو الذي يحدد وضعية الرجل ووضعية المرأة معاً في نسقه الاجتماعي والثقافي والفكري. ولسنا مع ذلك ننكر الجانب البيولوجي الطبيعي المميز وفقاً للشروط المحددة للوضع الإنساني عموماً.

علينا في اشتباكنا مع الخطاب السياسي أن نكشف عن قناع ايديولوجية التزييف التي يمارسها عن قصد أو عن غير قصد، وذلك بالكشف عن حقيقة التوجهات التي تسعى إلى قمع الإنسان كلية، وإن كانت تبدأ بما تتصوره الحلقة الضعيفة في الإنسان، أي المرأة. إن قهر المرأة بعزلها عن المشاركة في صياغة الوجود الاجتماعي للإنسان المتمثل في المرأة حبيبةً وزوجةً وأماً. هكذا يخوض الرجل المعركة وحيداً وضعيفاً ومتخاذلاً في معظم الأحيان. وإذا كان علينا القيام بنفس المهمة ـ مهمة كشف قناع أيديولوجيا تزييف الوعي ـ مع الخطاب الديني كذلك، فإن علينا بالإضافة إلى ذلك تحاشي السجال الإيديولوجي معه باللجوء إلى نفس سلاحه الأثير، سلاح تأويل النصوص والمواقف الدينية. إن قضية المرأة لا تناقش إطلاقاً إلا بوصفها قضية اجتماعية. وإدخالها في دائرة القضايا الدينية هو في الحقيقة تزييف لها، وقتل لكل إمكانيات الحوار الحر حولها.

إن مشكلة الحديث في قضايا المرأة ـ حريتها أو تعليمها أو مساواتها بالرجل، فضلاً عن زيّها ومكانتها الإنسانية في المجتمع ـ من منظور النصوص الدينية والفكر الديني، أنه حديث يظل مرتهناً بآفاق تلك النصوص من جهة، وينحصر في آليات السجال مع أطروحات الخطاب الديني العميقة الجذور في تربة الثقافة من جهة أخرى. وكلا الأمرين يؤدي إلى حصر المناقشة في إطار ضيق، هو إطار الحلال والحرام. وهو إطار لا يسمح بالتداول الحر للأفكار. فضلاً عن أنه إطار يحصرنا في دائرة تكرار الأسئلة القديمة المعروفة، الأمر الذي يفضي بنا إلى الاكتفاء الوقوف عند حدود بعض الإجابات الجاهزة، المعروفة سلفاً في هذا التيار أو ذاك.

وحين تناقش المشكلات الاجتماعية عامة ـ ومشكلة المرأة خاصة ـ من منظور الدين والأخلاق تتبدد جوانب المشكلة، وتتوه في ضباب التأويلات الإيديولوجية النفعية للنصوص الدينية. الأهم من ذلك أن المناقشة من منظور الدين والأخلاق تعد إخفاءً متعمداً للبعد الاجتماعي والاقتصادي من جهة، وتجاهلاً قصدياً لعلاقة المرأة بالرجل في سياقها الحقيقي وإطارها الفعلي. ولن تؤدي التأويلات النفعية الإيديولوجية للنصوص الدينية إطلاقاً إلى تغيير وضع المرأة ـ والوضع الإنساني عموماً ـ سلباً أو إيجاباً.

وعليا أن نكون على وعي دائم بأن تحرر المرأة المتمثل في ممارستها لحقوقها الطبيعية والإنسانية لا يفارق تحرر الرجل المتمثل في قدرته على ممارسة حقه الطبيعي على المستويات والأصعدة المختلفة كافة. وعلينا أن نكون على ذكر دائم بأن هذا التحرر الإنساني مرتهن بسياق تحرر اجتماعي وفكري عام في مرحلة تاريخية محددة، وذلك حين تكون حركة المجتمع حركة صاعدة في اتجاه التقدم. في هذه الحركة تنفتح كل عناصر الوجود الاجتماعي بهواء الحرية النقي، وتمتلئ كلتا الرئتين ـ المرأة والرجل ـ بمناخ الحرية المشبع بقيم لاحق والعدل. ومعنى ذلك أن التحرر حالة اجتماعية عامة مرتهنة بتحقيق شروط لا تتحقق إلا بكل أشكال النضال، التي يعد النضال الثقافي الفكري بعداً من أبعادها. لكنه يظل بعداً واحداً لا يؤتي ثماره إلا بالتوافق المتزامن مع الأبعاد الأخرى النضالية كافة.

والسؤال الذي لم يتطرق إليه أحد بشكل مباشر: هو لماذا حين يصبح الركود والتخلف من سمات الواقع الاجتماعي والفكري، يصبح ((وضع المرأة)) قضية ملحّة؟!

ولماذا حين ينسدل ستار الركود على عقل الأمة وثقافتها يتمظره هذا الاحتلال أول ما يتمظهر على المرأة روحاً وعقلاً وجسداً؟! ولماذا يتم دائماً تبرير ذلك كله بالقراءة الحرفية للنصوص الدينية؟! ولماذا يتم دائماً تبرير ذلك كله بالقراءة الحرفية للنصوص الدينية؟! ومن الغريب أن يرد الخطاب الديني المعتدل تخلف وضع المرأة إلى الركود الاجتماعي بصفة عامة. لكنه يبرر هذا الاستثناء، والشذوذ بمراعاة الإسلام للفروق الطبيعية بين الرجل والمرأة. يقول الغزالي مثلاً: ((إن الإسلام ساوى بين الرجل والمرأة في جملة الحقوق والواجبات، وإذا كانت هناك فروق فاحتراماً لأصل الفطرة الإنسانية وما يبنى عليها من تفاوت الوظائف، وإلا فالأساس قوله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض). وقوله: (مَن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينُه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) )). ويقول كذلك ((نعم توجد استثناءات لم تنشأ لإهانة المرأة، وإنما وضعت لتنسجم مع طبيعتها أو وظيفتها الاجتماعية، وإلا فالأساس قوله تعالى: (ومَن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً) )).

لا يتنبه الخطاب الديني المعتدل إلى أن النصوص التي تعد هي الأساس في قضايا المرأة نصوص تشير كلها إلى المساواة في أمر الثواب الديني الأخروي، وأن النصوص القليلة الشاذة التي تمثل الاستثناء هي النصوص التي تشير إلى عدم التساوي في شؤون الحياة الدنيا. وبدلاً من أن يحاول فهم النصوص الاستثناء بوصفها نصوصاً ذات دلالة تاريخية اجتماعية مباشرة، وأنها يجب أن يعاد تأويلها من ثم على ضوء نصوص التساوي الأساسية. بدلاً من ذلك يلجأ الخطاب الديني المعتدل إلى التبرير ـ بدلاً من التفسير والتأويل ـ الذي يرده إلى مسألة ((الاختلاف البيولوجي)) وهكذا ينتهي الاعتدال ـ المتمسك بأهداب التقدم ـ إلى الالتقاء مع خطاب التراجع ـ لأن الأساس المعرفي لهما واحد في الحقيقة.

والحقيقة أن اللجوء للنصوص الدينية الاستثنائية، بل وقراءتها قراءة حرفية يمثل في ذاته علامة دالة في سياق تساؤلنا الأساسي في هذه الفقرة: لماذا تمثل قضية المرأة الحلقة الضعيفة التي يبدأ منها الانكسار والتراجع الاجتماعي والفكري؟ في سياق التقدم الاجتماعي تسيطر على المجتمع روح الانسجام والتلاؤم، ويتحرك البشر من خلال علاقات موحدة النسيج إلى حد بعيد. نشير هنا بصفة خاصة إلى علاقة الجماعات المختلفة دينية أو عرقية أو ثقافية ولا نستثني من ذلك العلاقة بين الرجل والمرأة، لكن هذا النسيج الموحد المتجانس يصاب بالتشقق مع تحول حركة المجتمع من النهوض والتقدم إلى الركود والتخلف.
وليس هذا الترابط الذي نقيمه بين قضية المرأة وقضايا التفتت الاجتماعي بصفة عامة ترابطاً تصورياً ذهنياً. فالخطاب الديني الذي يلح على قضية المرأة هو ذاته الذي يلح على قضية وضع الأقليات الدينية في النظام الإسلامي الذي يسعى الخطاب الديني لإقامته. غاية الأمر أن الخطاب المعتدل يحاول أن يتظاهر بالتقدمية فيتمسك بدلالة النصوص الأساسية، ويبرر تبريراً إيديولوجياً النصوص الاستثنائية. لكن هذا التبرير ذاته يفسح المجال لخطاب التراجع والتطرف ليقدم قراءته الحرفية التي تكرس الانكسار، وتساهم في تمزيق النسيج الاجتماعي للأمة.

Tuesday, July 31, 2012

ناهد سليم: انزعوا القرآن من أيدي الرجال

ناهد سليم
مصرية ولدت عام 1953 كاتبة و مترجمة مقيمة بهولندا
مؤلفاتها:
خطابات من مصر
نساء النبي...دراسة حول إشكالية التفسير الذكوري للقرآن و السنة

في لقاء مع الكاتبة الهولندية المصرية الأصل ناهد سليم
حاورتها فينوس فائق


يعتبر كتاب (نساء النبي) لكاتبته الهولندية ، مصرية الأصل ، ناهد سليم ، الذي أصدرته عام 2003 باللغة الهولندية ، من الكتب المهمة التي صاحبتها ضجة إعلامية في الأوساط السياسية و الإعلامية الهولندية.. النسخة المترجمة إلى اللغة الألمانية و التي تحمل عنوان (أنزعوا القرآن من أيدي الرجال) تسبب هو الآخر في ضجة أخرى في ألمانيا.. تتناول الكاتبة قضية من أهم القضايا حالياً و هي قضية تفسير القرآن و الحديث النبوي ، الذي تم لحد الآن على أيدي مفسرين رجال فقط ، و الذي ألحق الضرر الكبير في مساعي المرأة نحو الحصول على حقوقها ، و حرمها من الكثير منها ، بسبب التفسير الرجولي الذي يخدم دائماً مصلحة الرجل في ظل الشريعة الإسلامية.. حيث من المهم جداً أن تشارك المرأة في تفسير القرآن و السنة النبوية و حتى في كتابة السيرة النبوية ، على الأقل من أجل تحقيق المساواة..
ناهد سليم من مواليد مصر ، تبلغ من العمر 53 عاماً ، مقيمة منذ ما يقارب الـ33 عاماً في هولندا.. منذ بداية نشاطها الكتابي و هي تسعى من خلال أفكارها و طروحاتها خدمة مسألة إصلاح الدين و تحديثه و أنسنة الدين الإسلامي و إشراك المرأة في تفسير القرآن و السنة النبوية.. ناهد سليم لم تخرج عن الدين الإسلامي إلا أنها تطالب بتغيير روح الدين و أقلمتها مع روح العصر و تحديث مباديء الدين الإسلامي ، مثل مسألة بقاء الفتاة عذراء حتى وقت الزواج ، قتل المرأة بدافع غسل العار ، الذي يعني حسب رأيها أن المرأة لا تملك جسدها ، و مسألة الحجاب و عدم المساواة بين الرجل و المرأة..
قبل هذا الكتاب أصدرت ناهد سليم باللغة الهولندية كتاباً آخر بعنوان (رسائل من مصر) عام 2000 ، و بعد كتاب (نساء النبي) اصدرت عام 2005 كتباً بعنوان (الصمت خيانة) الذي تتحدث فيه عن النساء المسلمات..
و هي الآن عضوة في اللجنة الداعمة للجنة المسلمين السابقين في هولندا التي تأسست على يد الشاب إحسان جامي من أصل إيراني في هولندا و تم الإعلان الرسمي عنها في شهر مارت 2007 هذا العام.. و هي لجنة تختص بشؤون المسلمين الذين لم يعودا يؤمنون بالدين الإسلامي..
حول كتاب (نساء النبي) و لجنة المسليمن السابقين في هولندا ، كان لي هذا الحديث مع ناهد سليم ، حيث أحببت التطرق إلى إشكالية تفسير القرآن و السنة النبيوة من قبل الرجل و فتح باب لحديث من طراز آخر عن الدين و إصلاح الدين لكن من خلال إمرأة ، و طرح أهم سؤال و هو هل بإمكان المرأة أن تشارك في نقاش من هذا النوع و التطرق لمثل هذه الإشكالية التي لم يتم التطرق إليها إلا من خلال الرجل؟

• كتاب )زوجات الرسول( ، هل هو إنتقاد للدين الإسلامي و القرآن ، أم إنتقاد لتفسير القرآن و السنة النبوية على أيدي الرجل ، أي التفسير الأحادي من قبل الرجل؟ و هل من الممكن التطرق إلى قضية أو إشكالية الجنس (رجل و إمرأة) بين طيات تفسير القرآن و من ثم فتح باب نقاش من نوع آخر تشارك فيه المرأة؟



أعتقد أن هذا ممكن ، كتاب نساء النبي كان بالدرجة الأولى هو إنتقاد للتفسير الذكوري للقرآن و مفهوم الدين بشكل عام الذي إحتكره الرجال من قديم الزمان ، و هذا الإحتكار يؤدي إلى تضييق النظرة للدين بشكل عام ، و إلى حرمان المجتمع من وجهة النظر النسائية .. و التفسير الذكوري للقرآن أدى أيضاَ إلى الإعتقاد بأن الدين الإسلامي و تغطية الشعر مثلاً شيء ينص عليه القرآن و بينما هذا شيء ليس مؤكد ، على الأقل هناك لحد الآن إختلافات في الرأي في هذا الموضوع ، لأن الكلمات المستخدمة في القرآن لا تعني الحجاب بالمعنى المتعارف عليه الآن.. و نقطة أخرى و هي أن التفسير الذكوري أدى إلى مفهوم الحريم و إعتكاف المرأة عن الحياة العامة و حبسها داخل البيوت ، و حرمانها من التعليم و العمل ، فهذا التقليد كان منتشر في كل البلدان الإسلامية لغاية نهاية القرن التاسع عشر أو منتصف القرن التاسع عشر ، و في بعض البلدان موجود لحد الآن ، و هذا سبب كل هذا يعود إلى تفسير خطأ لآية معينةفي القرآن ، و هي آية الحجاب التي نزلت في نساء الرسول ، و بالذات في زوجته زينب بنت جحش.. قال فيها أنه يجب أن يكون بين الرجال و النساء حجاب أو جدار أو ساتر أ, ستار ، هذا كان في الوقع محدد و خاص بنساء النبي ، إذا تحدثوا مع رجل غريب أن يكون من وراء حجاب. فيما بعد تطور مفهوم الحجاب من مفهوم مقتصر على نساء النبي إلى مفهوم عممه الفقهاء على كل النساء المسلمات ، و بناتهم. و بهذا حبسوهم في سجن مدى العمر ، و تطور الفهوم من مجرد حاجز أو ساتر أو باب إلى حجاب متحرك ترتديه المرأة تلبسه و تأخذه معها إلى كل مكان ترتاده متى ما نزلت إلى الحياة العامة.. كأنها بالرغم من وجودها في الشارع مازالت وراء الحجاب أو الستار أو الجدار الذي نصت عليه سورة النور ، أعتقد هي الآية 33..
• تركزين بشكل خاص على الحجاب ، هل هذا هو القصد من إنتقاد التفسير الذكوري للقرآن و السنة النبوية؟ أم أن هناك أمور أخرى ممكن طرحها للإنتقاد في هذا المجال؟




لا هي بالواقع هي مجرد أمثلة ، لأن حينما أقول التفسير الذكوري للقرآن و للسنة ينم عن النظرة الذكورية و أن الرجال أساؤوا إستغلال موقفهم الإحتكاري هذا و فسروا الآية تفسيراً خاطئاً ، لذلك لا أحب أن أرمي الكلام هكذا جزافاَ و أعطي دائماً أمثلة لما أقوله ، فكانت هاتين السورتين ، السورة الخاصة بالحجاب ، بمعنى الزي النسائي و السورة الخاصة بالحجاب بمعنى إعتكاف النساء و اللذي كان المقصود بها فقط نساء النبي و عمموها على كل النساء المسلمات و هاتين الآيتين أذكرهما دائماً كمثال لسوء التفسير أو إستغلال منظق القوة و الإحتكار الذي أضر بالمسلمين و النساء المسلمات لأجيال طويلة و حرمهم من المشاركة في الحياة العامة في المجتمع ، لذلك إنتقادي لا يقتصر على الزي و الحجاب هذه الأمور لأن هذه فقط مظاهر خارجية لمشكلة أكبر ، المشكلة الأكبر هي مفهوم عدم المساواة بين المرأة و الرجل و هذا الشيء موجود بشكل أساسي في نظرة الإسلام للمرأة. هناك في هذه النقطة تتضارب الآراء بشكل كبير المسلمين تعودوا أن يقولوا أن الإسلام أعطى المرأة كل حقوقها ، و ساوا بينها و بين الرجل في كل شيء ، و يعتمدون في هذا الشيء على وضع المرأة قبل الإسلام مع وضعها بعد الإسلام .ز في الواقع بالنسبة لي و على أساس الدراسة التي أجريتها للقرآن و السنة و وضع النساء في الإسلام ، أستطيع أن اقول أن هذه المساواة متوفرة في مجال واحد فقط ، وهو المجال الروحي أو الروحاني ، بمعنى أن الله خلق المرأة و الرجل و العالم كله من نفس واحدة ، بمعنى أن تكليفهم نفسه و جزاءهم نفسه ، فهذه فقط هي الناحية الروحانية أو الناحية الدينية ، أما إذا إنتقلنا إلى كل المجالات الأخرى في الحياة هذه ، فنرى أنه من الناحية الإقتصادية ليس هناك مساواة إطلاقاً ، من الناحية النفسية ليس هناك مساواة إطلاقاً ، من الناحية الإجتماعية أيضاً ليست موجودة.. إذا الناحية الوحيدة التي تتساوى فيها المرأة بالرجل هي الناحية الروحانية أو الدينية ، هذا فيما يخص الحياة التي تسمى مابعد الموت ، لكن أنا شخصياً مهتمة بهذه الحياة أولاَ و قبل كل شيء ، و في هذه الحياة أرى نقص في المساواة بشكل خطير ، لما نعرف أن المرأة أن المرأة ترث نصف ما يرثه الرجل ، نعرف أن هذه هي عدم المساواة المالية ، أما المرأة إذا المرأة تريد أن تخرج من البيت للعمل ، تحتاج إلى موافقة الزوج أو الأب ، إذا تريد أن تسافر من أجل عملها تحتاج لرجل من العائلة ليرافقها ، و إلا ليس بإمكانها أن تغادر البلد.. و غير ذلك الكثير من الأمور ، فهناك إنتقاصات كثيرة للمرأة في حقوقها ، من ناحية نفسية الفتاةتربى على معتقدات تنتقص من كيانها و صورتها عن نفسها ، و أن المرأة ناقصة عقل و دين ، في مثل هذا الحديث ، موجود في أحاديث مسلم و أحاديث البخاري و هي تعتبر بالنسبة لجميع المسلمين هي الأحاديث الموثوق بها لأن هناك تفسيرات كثيرة ، لكن هذه تسمى صحيح مسلم و صحيح البخاري ، من الناحية الجنسية ليست هناك مساواة مثالنا هناك آية قرآنية تقول أن "النساء حرث للرجال" ، و هذا يبين عدم المساواة بين الرجل و المرأة من الناحية الجنسية..

• تنتقدين تفسير الأحاديث النبوية و القرآنية ، بدعوى أنها لا تتناسب مع التطور المجتمعي الحاصل ، لكن هل أن العالم الإسلامي في مرحلته هذه ، و تزامناً مع المد الديني المتخلف و الإرهاب الحاصل الآن بإسم الدين ، هل ترين أنه وقت مناسب لإطلاق مثل هذه الطروحات؟


في الواقع تأخرنا ، كان المفروض أن تطرح هذه الأفكار قبل الآن ، و إذا الناس تنتظر حتى تكون هناك مرحلة ليس فيها أي نوع من النزاعاتأو التوتر و الأزماتو المشاكل من الممكن أن ينتظرون إلى مالا نهاية ، و الغريب أن هذه الأمور لم تطرح مسبقاً في كل محاولات الإصلاح الديني التي تمت من قبل ، فنحن نعرف أنه في منتصف القرن التاسع عشر و القرن العشرين كانت هناك محاولات للإصلاح و الإصلاح الديني و التي يسمونها حركة اليقظة ، و حركة الإصلاح الديني ، فلم تطرح هذه الموضوعات بشكل كافي.. رغم أنه يذكر لقاسم أمين و لو أنه ليس دينياً إطلاقاً ، كان معلم و أستاذ ، أنه طرح هذه الأمور في بداية القرن العشرين سنة 1898 و 2002 أصدر كتابين هما (تحرير المرأة) و الكتاب الثاني (المرأة الجديدة) و فيما بعد نشأت حركات نسائية تدافع عن حقوق المرأة لكن المشكلة أن لا يجرؤون على طرح الأمور بشكل صريح ، مثلاً موضوع مثل موضوع تعدد الزوجات الذي يؤدي إلى مظالم إجتماعية و إلى وباء في العلاقات الإجتماعية بين أفراد المجتمع و لم يعالج لم تتصدي له لا الحركات التحررية و لا الحركات النسائية بما فيه الكفاية ، بحيث أنه في كل البلدان العربية و الإسلامية حالياً نجد آفة تعدد الزوجات هذه منتشرة بشكل شنيع حتى في البلاد الآسيوية مثل أندونيسيا التي لم تعرف هذه الظاهرة إلا بعد المد الإسلامي العربي المنتشر هناك أيضاً ، و ماليزيا و بلاد شرق آسيا التي تنتشر فيها هذه الظواهر.. و أنا أعتقد أن الأزمة السياسية التي توجد في الوطن العربي و العالم الإسلامي الآن و المد الديني المتطرف يحتاج إلى وقفة ثابتة من المصلحين و المتحررين ، و موضوع المساواة بين الرجل و المرأة هذه تقع في جوهر الخلافات ، إحتمال أن التطرف الديني هذا – و هذا تفسيري أنا – هو أن هؤلاء يريدون تجميد شكل الحياة و شكل العلاقات العامة و العلاقات بالذات بين النساء و الرجال بالشكل الذي كان سائداً في القرن السابع الميلادي و يخشون أن سيطرتهم على المرأة إخطاعها لهم بقوة الدين في سبيل التغيير و ربما هذا هو سبب أنهم مستميتين بهذا الشكل للإحتفاظ بمميزاتهم التي يستمدوها من الدين إما بالحق أو الباطل.. أعتقد أن أحد المحاولات التي ستساعد على وقف هذا المد الديني المتطرف هو نهوض كل المتحررين لأن لإيقافهم عند حدهم فيما يخص بالذات هذه الأمور الخاصة بعلاقة الرجل و المرأة..


• هل كل من إنتقد الدين ، كان هدفه الإصلاح الإجتماعي؟ و هل أن الإصلاح في مجال الدين و ملائمته مع روح العصر كفيل بحل كل المشاكل التي نعاني منها كبشر خصوصاً في الشرق المتخلف؟


في الواقع هذا ليس بهذه البساطة لأن الإصلاح الديني يجب أن يكون ملازم لإصلاح إجتماعي و إصلاح إقتصادي و إصلاح سياسي ، لكن نحن نعرف أن كل هذه المجلات الأخرى من الإصلاح التي هي ضرورية ، تعطل المجهودات بشكل كبير بسبب التخلف الديني ، فالإصلاح الديني هو أحد الشروط لنجاح الإصلاحات الأخرى ، لكن لا يكفي وحده لأنه لا يؤدي من نفسه إلى إصلاحات أخرى ، لكن يجب أن يتم بشكل ملازم و إذا لم يحدث هذا لابد مثل ما حدث في تركيا ، لإصلاحات في كل النواحي الأخرى ، حيث تم فصل الدين كل مجالات الحياة الأخرى ، و مجالات السياسة بشكل كبير ، لكن لم يحدث بالفعل تقدير للمسائل ، الذي حصل في تركيا إبتداءاً من أتاتورك و حتى الآن هو أنه وضعوا الدين على جانب و مضوا بكل الإصلاحات الأخرى بينما الدين فقد سيطرته على الحياة العامة ، لكنه لم يتغير و لم يتم إصلاحه ، فما نراه اليوم هو أنه من الممكن أن يعود الدين إلى تركيا بنفس الشكل الذي كان عليه قبل الفترة التي تلت حكم أتاتورك.. هذه هي الخطورة إذا أهمل الإصلاح الديني و لم يجروء الناس على المواجهة و مضوا بالمجتمع بإصلاحات أخرى ، سوف يمكن في أي لحظة أن يأتي جيل جديد ليقول نريد أن نرجع إلى جذورنا الروحانية و نريد أن نرجع إلى اصول الإسلام للشكل المثالي للإسلام و يعودون بنا للخلف مرة أخرى. فلهذا الإصلاح يكون يكون متزامناً من كل النواحي بما فيها الناحية الدينية..

• مع توسع دائرة الإرهاب على نطاق دولي و تنامي التشدد الديني (الإسلامي) ، ترتفع الإصوات التي تنتقد الدين الإسلامي على أنه دين يساعد على الإرهاب ، فهل صحيح أن الدين الإسلامي يحمل بذرة الإرهاب؟


أعتقد أن من أجل أن نحكم على أي نرجع إلى مراجعه الأصلية ، هذه نقطة ، ثم نرجع إلى تطبيق هذه المراجع الأصلية ، و بعد ذلك نرجع إلى كل التطور التأريخي الذي تم في هذه المرحلة ، منذ نشوء هذا الدين.. نطبق هذا على الدين الإسلامي ، ما هي المراجع الأصلية التي تشرح لنا ماهو الدين ، و هذه المراجع هي بشكل أساسي القرآن و الأحاديث و السنة النبوية ، ثم ثم نجد تطبيق هذه الأحاديث في السنة و في سلوك الرسول و الخلفاء الراشدين ، و بعد ذلك ننظر إلى الفترة التأريخية التي مرت منذ ذلك الوقت و حتى الآن.. فبالنسبة للإرهاب نواجه في القرآن آيات كثيرة تدعوا و تنص على الجهاد ، هي ليست آية أو إثنتين ، حسب الكثيرين ممن أحصوها هي ما يقارب الستين آية ، إذا المفهوم "الجهاد" بمعنى إقامة الحرب على الشعوب الأخرى من أجل نشر الدعوة الإسلامية ، هذا الشيء طبقه الرسول بنفسه في حياته و قام بقيادة الغزوات ، جزء منها كنت غزوات دفاعاً عن النفس ضد الغازيين ، و جزء منها كانت للغزو لأنه تم خارج حدود المدينة ، كان إذاَ قبائل أخرى و قد وصل في حياته حتى اليرموك ، أقصى غوة و هي منظقة على الحدود السعودية الأردنية في الوقت الحالي ، غزوة اليرموك هذه على أساسها نستطيع أن نقول أن الرسول قام بالغزو لنشر الإسلام ، نشر الإسلام هذا في الشعوب الأخرى نسميه الآن حروب هجومية و ليست حروب دفاعية ، إذا إذا حدذت الحروب بهذا الشكل الجماعي فهي بالطبع ليست تماماَ الإرهاب ... الإرهاب يتم في شكل جماعات و أفراد و عصابات و ليس هناك شروط القيادة الإسلامية ، مثل الخليفة أو الإمام الذي يصدر الأوامر و و كل هذه الأمور ، من هذه الناحية هناك إختلاف شيء ما في نوعية النشاط الإرهابي و بين الحروب الهجومية.. و لكن الإرهابيين يستخدمون نفس الآيات القرآنية التي تعطي الحق للمسلمين أن يحاربو شعوب أخرى و يقهرونها يرغمونها على الإسلام ، و بتطور المفاهيم الذي حدث في قرننا هذا يعتبر هذا نفس الشيء مثل الحروب التي يفتقدها المسلمين و هي هجوم الدول الأوروبية و إحتلالها للبلاد الإسلامية ، فلا أرى فرق بين الإثنين.. اما من ناحية الإرهاب فهناك بالطبع الآيات القرآنية التي تحث على الجهاد ، هذه تعطي العذر للمنظمات الإرهابية من أجل القيام بالنشاط الإرهابي ضد غير المسلمين و هي لا تتساوى بالتحديد مع الحروب التي قام بها المسلمون من أجل نشر الإرهاب.. خلاصة القول هناك بذرة تعطي التشجيع ، و تعطي المبرر للإرهابيين حتى يقومون بنشاطهم ، و بنفس الوقت هناك مجال لشيوخ المسلمين و الأئمة يعرفون و يعون الشعوب أن هذا ليس الجهاد الذي منصوص عليه في الإسلام.. لأن لا تتوافر فيه تلك الشروط و إن كان بتقديري هذا الجهاد و إن لم يكن إرهاباً و لكن لم يختلف كثيراً عن الحروب القهرية لقهر الشعوب الأخرى..

• يعتبر الكثير من المسلمين المتشددين أن كل إنتقاد للدين هو تمرد على الدين ، أو إنتقاص من شأنه.. فهل هذا يعني أن الدين غير قابل للتأويل و الإنتقاد ، و هو ثابت و غير قابل للتغيير؟ في حين أن الكثير من الباحثين و المتخصصين في علم الدين يقولون أن (الدين) كممارسة و طقوس يندرج تحت خانة الحريات الشخصية.. ماهو تعليقك؟


أعتقد أن أي دين يجب أن يكون قابلاً للدراسة و الإنتقاد ، لأنه حينما يدرس الإنسان شيء ما يصل إلى واحد من نتيجتين ، إما موافق و إما غير موافق على ما يقال ، فالدين يجب أن يتواكب مع ضروف و حياة الإنسان و هي في حال تطور تغيير دائم ، فإذا لم يخضع الدين للنقد و للتغيير و للتأقلم سوف يكون في حالة متحجرة ، و سينتهي بالنهاية إلى الإندثار لأنه من غير ممكن أن يكون حياة الإنسان عرضة للتغيير الدائم ثم يتبع دين ثابت لا يتغير.. فيكون إنفصام خطير بين الإثنين.. أعتقد أن النقد ليس بتمرد و لكن هو ظاهرة صحية و ضرورية جداً و بالعكس هو شرط لإستمرارية أي دين و أي نظرية فلسفية أو سياسية أو اي شيء آخر.. أنا لا أعتبره تمرد ، لكن بنفس الوقت يجب أن نسأل أنفسنا الدين هل هو تجربة شخصية ، هل هو نصوص نلقي عليها صفة القدسية؟ برأيي القدسية هي صفة لله وحده ، و ليس هناك اي شيء آخر له تلك القدسية.. القرآن ليس مساوياً لله ، و السيرة النبوية ليست مساوية لله. في الواقع الذين يضعون نفس القدسية في القرآن و نفس القدسية في السيرة النبوية ، مثل تقديسهم لله ، هو بالواقع نوع من الإشراك بالله.. النقطة الأخرى كيف تم تسجيل هذه الأحاديث؟ كيف سجل القرآن؟ من الذي كتبه؟ متى كتب؟ ماهي الطبعات المختلفة و النسخ التي كانت موجودة ، هذه كلها أمور يجب أن نكون متفتحين لدراستها و لإستخلاص الدلالة الناتجة عن ذلك و المدلول هو لا يمكن أن لا نكون واثقين مئة بالمئة بأن المكتوب في القرآن و في الأحاديث يساوي مئة بالمئة بالمقصود الإلهي الذي أراده الله للإنسان..فنهاك مجال إذا لدراسة القرآن و دراسة الدين و الإعتماد على التفكير السليم لأن ليس هناك دليل ثابت على الإطلاق ، بالعكس الأحاديث النبوية و السيرة النبوية كتبت بعد وفاة الرسول ، بفترة تترواح بين مئة و ثلاثون و مئة و خمسون عاماَ ، في كتابي شرحت أنه ليست هناك ذاكرة إنسانية يمكنها أن تتذكر كل هذا الكم من الأحاديث على مدى أربع أو خمس أجيال حتى ثبتت و كتبت على يد دارسين و جامعين سنة ، فهذه خلاصة بأن الأحاديث النبوية تناقلتها الأجيال و بعد ذلك وصلت إلينا بكل الصحة و الثقة بأنها قيلت بهذا الشكل. و هذا الشيء أن لا أعتقده..

• التطرق إلى موضوعة الدين و إنتقاده ، بعد كان أحد المحذورات في الوقت الراهن من قبل الكثير من الكتاب و مؤخراً الكاتبات ، أصبحت مسألة تتكرر ، و يفسرها البعض من النقاد الدينيين على أنه إستعراض و طريقة للحصول على الشهرة..


لا أعتقد أن التعرض للنقد الديني يعطي الإنسان شهرة ، بالعكس يجلب المشاكل أكثر من أي مجال آخر ، الباحث عن الشهرة أمامه مجالات أخرى كثيرة ، و مثمرة أكثر من النقد الديني ، أعتقد أن كل هذه الأمور هي بمثابة عراقيل لأن الناس لم تتعود بعد على أن جواز النقد الديني و على أن هذه ظاهرة جيدة و صحية جداً ، الذين يعرفون المصادر الدينية بشكل كافي يعرفون ايضاً أنه و طبقاً للقرآن آيات الله لم تظهر فقط في القرآن و إنما ظهرت في ثلاثة اشياء.. في الكون بشكل عام ، بإستطاعة الإنسان أن يرى آيات الخلق ، و يتعاطا معها بعقله.. و في نفسكم ، أي في داخل أجسامنا نستطيع أن نجد آيات الخلق.. و المصدر الثالث هو الآيات في الكتب المقدسة أو في القرآن.. إذا نقد القرآن لا يعني إطلاقاً الرفض الديني بشكل قاطع ، بالعكس هناك مصدرين آخرين لهم نفس الثقل في الإحساس الديني و هو إنه الإنسان يتفقد العقل و يفهمه و يستخدم عقله ، و يتفقد نفسه و يفهمها و كل هذا يدل على وجود الخالق ، فإذا كان القرآن به آيات كثيرة متعارضة و متضاربة مع بعضها ، فهذا الشيء يجب أن لا نغمض أعيننا عنه و إذا كانت هناك آيات كثيرة متعارضة مع الفكر السليم و حركة المعتزلة بالمناسبة أشاروا إلى هذه النقطة كثيراً و قالوا: إذا تعارضت آيات مع التفكير و الفكر السليم بنأخذ بالفكر السليم و نؤل القرآن أو نصدق عقلنا.. فهذه كانت حركة عقلانية مبكرة في التأريخ الإسلامي للأسف لم تصمد و لم تنجح في تخليص النفوس من الخضوع التام و محو التفكير و هذا في الواقع هو سبب التخلف في البلاد الإسلامية كثيراً..

• الكثير من التلفزة و وسائل الإعلام أصبح الدين و إستفزاز المسلمين في العالم من خلال طروحاتهم ، و تفسر من قبل المسلمين المتشددين على أنها دعوات تكفيرية و هم مدفوعون من قبل الغرب.. لكن لماذا كل محاولة لتخطي الخطوط الحمر و كسر المحذورات ، خصوصاً ما يتعلق بالدين يقال أنه كفر و مدفوع من قبل الغرب؟ لماذا لا يقال أنه ممارسة حرية طبيعية مثل باقي الحريات التي يجب أن تمارس و يمتلكها المواطن في العالم الإسلامي؟ لماذا عند الحديث عن الدين الإسلامي يكون الحديث عن الكفر و الإساءة للمقدسات و ما إلى ذلك؟


في الواقع الذين يقولون هذا الشيء لديهم عقدة نقص شديدة تجاه الغرب و هم يعتقدون أنه ليس ممكن لمسلم أو مسلمة أن يمتلك التفكير و العقل بما يكفيبأن يفكر بشكل مستقل ، و يستنتج إستنتاج يكون مخالفاً لما هو متعارف عليه ، فهذا نقص في الثقة شديد في النفس عند هؤلاء الأشخاص.. هم يعتقدون أن التفكير لا يمكن أن ينشأ للمسلم في هذا المجال إلى إذا كان مدفوعاً من الغرب ، هذه تهمة غريبة تشير إلى عقدة النقص الشديدة عند هؤلاء الأشخاص ، لأن الإنتقاد هو محاولة للإصلاح و ليست ظاهرة عدائية كما يعتبروها ، بالعكس هي ظاهرة تنم عن كم كبير لإنتماء هؤلاء لهذا المجتمع ، فعندما ينتقدون عن طريق النقد يحاولن معالجة علة أو نقص معين ، و هذه الظاهرة لا تدل على الأنانية إطلاقاً ، بالعكس فهي تدل على التضحية لأنه تنسي أن الإنسان الذي يتعرض لهذه الأمور بيثير عرضها للمشاكل و هجومات عديدة ، فالواقع من المفروض أن نكون مشجعين لهؤلاء الناس الذي مع كل هذه الصعوبات لا يريدون أن يتعرضون لذلك الخلل و ينتقدون و يصرفون جهدهم و دراساتهم لهذه الأمور..

• بالرغم من أن مواضيع الإرهاب الإسلامي و التشدد الإسلامي و توسع دائرة نشاط الأصوليين المسلمين تحتل مساحة كبيرة من برامج القنوات الفضائية و وسائل الإعلام الأخرى ، لكن بالتوازي مع ذلك ذلك و بشكل خفي هناك خط ديني آخر يعمل بإتزان و معقول و مناسب مع روح العصر ، لكنه ينشط بصوت خافت. و مثالنا على هذا النوع موجود في تركيا.. ألا يعني هذا أن الإسلام بمقدوره أن ينسجم و يتأقلم مع التغييرات و مستجدات العصر؟


أعتقد أن هذا ممكن لكن بشرط واحد و هو أن تتخلى الناس عن فكرة قدسية المصادر الإسلامية و عن تقديس الأشخاص العاملين في الدين و الخضوع لهم و نفي التفكير الذاتي عند الشخص نفسه.. فلإسلام بمقدوره التطور و التزامن و الحاة العصرية و التطور الطبيعي ، لكن هناكشروط معينة لذلك و هي أن المصلحين و الذين يدعون إلى التغيير أن لا يدفعوا حياتهم ثمناَ لذلك ، لأن هذا هو التقليد الذي حدث بتكفير المصلحين و قتلهم على مدى التأريخ الإسلامي و إعتبارهم مرتدين أو حتى عدم تقبل المرتدين.. فلماذا لا يقبل المرتد؟ المرتد الذي ما أصبح عنده ثقة بالدين أو أراد أن يعتنق ديناَ آخر ، لماذا لا يقبل هذا منهم؟ الإصلاح هو عقلنة الدين تحتاج لمجهودات ليس في مقدور شخص واحد ، لكن يجب من خلال أناس كثيرين و هؤلاء الناس لا يمكن أ، يعملون هذا إلا إذا كانوا آمنين على حياتهم ، و الفكرة السائدة حالياً هو أن اي شخص و أعطيكي مثال للشيخ محمد محمود طه الذي كان شيخ لحركة روحانية السودان ، الذي طور نظرية معينة بالنسبة لأصول القرآن ، و قال أن هناك جحزء من القرآن يعتبر تأريخي يعني مرتبط بفترة زمنية معينة و هي الآيات القرآنية التي نزلت في المدينة و هناك جزء آن التي تعتبر اساس الدين و هي الآيات المكية التي نزلت في مكة و هذه هي التي من المفروض أن نعتبرها المصدر الدائم للدين الإسلامي ، أما الآيات المدينية (التي نزلت في المدينة) فكانت مرتبطة بحقبة معينة في حياة الرسول أو في تأريخ الدين الإسلامي.. هذه حركة كان من الممكن أن تعمل تجديد خطير في الدين الإسلامي ، لكن بدلاَ من أن يتاح له الفرصة ، لنشر هذه الأفكار قبض عليه و أصدر الأزهر فتوى ضده و أعدم على ما أ‘تقد في بداية الثمانيات أو بداية السبعينات ، عن عمر واحد و سبعين سنة.. هذا هو الذي يحدث تقريباً مع كل المفكرين و المصلحين أو الذي أرادوا التحرر من الدين بشكل كامل.. تعرضت حياتهم للخطر و أعدموا ، فهذا هو التفسير ، و أنكي قلتي أن هذه الحركة هي خافتة ، بالطبع تبقى خافتة إذا أصحابها لا يؤمنون على حياتهم إذا خرجوا بفكرة أو نظرية جديدة ، ليس هناك بديل للناس إذا تعرضت حياتهم للخطر..

• في البداية تحدثنا عن تفسير القرآن ، و قلنا أنه تفسير ذكوري و كمثال كتابك (نساء النبي) ، و لكن هل لو يدعون المرأة هي التي تفسر القرآن ، هل كانت ستفسره بإنصاف؟ و هل هناك تفسير لآيات نزلت قبل خمسة آلاف عام بحيث ينسجم مع روح هذا العصر؟ و هل هناك آيات سواء فسرها الرجل أو المرأة يعني آية قد تنسجم مع روح العصر و يحقق المساواة الإنسانية بين الجنسين؟


هناك البعض من النساء يعتبرن متشددين على جنسهم أكثر من الرجال ، هؤلاء أيضاً موجودين حنتى في الوقت الحالي و حتى في أوروبا ، لكن بشكل عام أعتقد أن المرأة حينما تفسر القرآن من واقع تجاربها الحياتية و وضعها و تجربتها الذاتية لن تكون مجحفة بالنساء بهذا الشكل مثلما فعل المفسرون الرجال.. باإضافة غلى ذلك أعتقد أن كلا من المنظور النسوي و المنظور الذكوري مكملين لبعضهم فأعتقد أن حرمان مجتمع من المجتمعات من المنظور النسائي في تفسير الآيات القرآنية يعتبر حرمانه من نصف الإمكانيات المتواجدة و قصر التفسير كله على منظور واحد ، مؤكد سيكون محدود أكثر من إذا كان متاح للإثنين.. المرأة لها مفعول آخر ، فبالنسبة للإسلام العادي لم يكن للمرأة دور كبير ، فإذا نظرة لـ(الصوفية) ، فنجد أن المرأة إستطاعت أن تكون أيضاً مفسرة و تكون مثال متقارب للرجل أو تكون في نفس منزلة الرجل.. رابعة العدوية على سبيل المثال و هي تنتمي للقرن الثامن الميلادي و التي توفيت في البصرة ، أحدثت طفرة كبيرة جداً في مفهوم الثواب و العقاب.. من الحكايات التي تحكى عنها مثلاً أنها شوهدت في الشارع و بيدها سطل من الماء و مشعل أ, شعلى ملتهبة باليد الأخرى ، و عندما سئلت ماذا تعملين بهذا؟ أجابت: بسطل الماء أريد أن أطفيء النار ، و بهذه الشعلة الملتهبة أريد أن أشعل النار في الجنة. فعندما سألوها: و لماذا تفعلين هذا؟ أجابت: أنا أريد أنه أحببت الله و أحببت أن أعمل الأشياء المحببة أن يكون هذا بسبب أن هذه الأشياء جيدة و ليس طمعاً بالثواب بالجنة ، و إذا أردت أن أتجنب الأمور الكريهة أريد أن افعل هذا حباً بالله ، و أن أفعل هذا من دافع إقتناعي أنه شيء خاطيء و يجب تجنبه.. و ليس خوفاً من النار ، فأريد أن أحرق الجنة و أطفي النار حتى يصير إسلام المسلمين صافياً أكثر ، فهذا الشيء لم يخرج به رجل قبلها. فهي أدخلت مفهوم الحب الذاتي الحب الروحاني من أجل الحب نفسه و ليس من أجل الثواب و العقاب.

• نأتي إلى موضوع آخر و هو تجربة الإسلام السياسي كيف ترين هذه التجربة؟ و ماهو تنبئك لمستقبل هذه التجربة؟ هل من المحتمل أن تكون لهذه التجارب في المستقبل حضور أو أشكال أخرى لحضورهم في الأوساط السياسية و الدينية؟


نحن الآن نسمية الإسلام السياسي ، في حين أن الإسلام لم يكن في أي مرحلة من مراحله إلا سياسياً.. لأن منذ نشأته و بواقع أن الرجل جمع بيده السلطة الدينية و السلطة الدنيوية ، كان قاضياً و زعيما و كان حتى قائداً في الحرب. فلم يكن الإسلام بأي شكل من الأشكال إلا سياسياً.. حدثت على مدى التأريخ محاولات فصل الدين عن السياسة ، و حصل بالفعل هذا الفصل غلى حد ما و كان هذا في الفترة التي تكلمنا عنها و التي كان بها صفوة مدنية و دينية فرأينا مثلاً أتاتورك عندما أنشأ دولته العلمانية و نفس هذا الشيء إنطبق على شاه إيران الذي أيضاَ تمكن من أن يفصل بين الدين و الدولة و الدين و السياسية و على هذا المنوال نشأت النظم السياسية العربية الإشتراكية ، فشفنا هذا في العراق و مصر و سوريا و التي تعتبر إشتراكية ، فصلت بين الدين و الدولة و فيما بعد في مرحلة لاحقة ، من نهاية السبعينات ، حيث بدأتها إيران بالثورة الإيرانية عام 1979 و أنشأت دولة إسلامية تجمع مرة أخرى الدين والسياسة ، بيد نفس الأشخاص ، تلتها دول أخرى مثل السودان و باكستان.. و آخرون ، فموجود حالياً حوالي أربع إلى خمس دول فيها الدين و السياسة مجتمعين في يد واحدة.. فهذا هو الإسلام السياسي و الذي كثير من الدول الإسلامية التي أتيحت لها فرصة الإنتخاب ، في مصر مثلاً ، غذا كان الإنتخاب حقيقة حرة فسوف تكتسب حركة الإخوان المسلمين و تنشأ أيضاً دولة إسلامية في مصر ، فهذا تطور خطير و يعتبر نكسة رجعة للخلف مرة أخرى بالنسبة للدول الإسلامية ، لأن هذا النظام في الإسلام السياسي أو الدولة السياسية الدينية في نفس الوقت ، لم تجلب للمواطن أية حريات تذكر ، بالعكس كانت هذه الأنظمة من أشد الأنظمة ضغظاً على الحريات الفردية و على حياة الناس العاديين ، لأن لم يكن هناك جهة أخرى يلجأ إليها الإنسان ، الحاكم و الشيخ و الإمام هم نفس الشيء و، ليست هناك أية ضمانات للحريات الفردية.. فبموازات ذلك نرى النظام الذي ساد في أوروبا في القرون الأخيرة ، مدة ثلاثة أو أربعة قرون ، وهو فصل بين الدين و السياسة قد أدى غلى تقدم كبير في كل المجالات و إلى زيادة الحريات الفردية و الضمانات على إحترام حقوق الإنسان ، فأنا لا أرجوا أن هذا الإسلام السياسي يستمروا هكذا ، أرجوا أن الدول التي تسود فيها هذا النظام و منها إيران ، و الذي أثبت أن الظلم في ظل آيات الله كانت حتى أشد و أعنف من ظلم في ظل النظم التي كانت قبله.. فأعتقد أن واجبنا كلنا أن نقاوم هذا الشكل من الإستبداد المشترك ، لأن الحاكم يميل للإستبداد و الشيخ و الملا ايضاً يميلون للإستبداد في أمور الناس و تصريف أمورهم برغبتهم الشخصية و إذا إجتمع هذين النوعين من الإستبداد في شخص واحد فالويل للمرأة الرجل العاديين..

• في بداية حديثك قلتي أن الدين لم يكن إلا سياسياً ، فهل هذا يعني أنه من غير الممكن عزل الدين عن السياسة ، و إذا لم نتمكن من عزل الدين عن السياسة كيف يمكن الإصلاح في المجال السياسي؟ هل في أن نصلح الدين؟ أم تغيير الدين و تطوره و ملائمته مع روح العصر؟ كيف سنغير السلطة السياسية إذا كان الدين متعمق هكذا في الحكم ، هل في إمكانية عزله أو في تغيير و إصلاح الدين؟


الدين بشكله الحالي و منذ نشأته متخلخل في السياسة و السياسة متخلخلة في الدين ، لكن من أجل أن نفصل الدين عن السياسة و السياسة عن الدين ، يحتاج هذا لمجهود و للتطوير و لإصلاح المفاهيم الدينية.. هذا معناه أن كل الآيات التي تشير غلى الخضوع للسلطة و الإجماع و محاربة كل إنسان له رأي متفرد ، كل هذه جذور لجذور دينية تمنع فصل الدين عن السياسة و علينا إنتقادها بشدة و الإصلاح بمعنى أ، هناك مفاهيم معينة نضظر أن ننتقدها و أن نقنع الناس بأنها لم تعد صالحة للإستمرار و بأن من أجل التطور المستمر و التكييف مع الزمن الحديث هناك معتقدات معينة و مباديء معينة يجب أن نعتبرها قد إنتهت و إستنفذت مرحلتها التأريخية.. لم يتم فصل الدين عن السياسة سيتم بمجهود كبير لتحقيق هذا عن طريق تصنيف و تقييم لكل الأفكار المتوارثة و التخلي عن الجزء الذي إستنفذ مرحلته و ؤسالته التأريخية و لم يعد صالحاً في يومنا هذا.. فهذا معناه أنني أدعوا لحركة إصلاحية شاملة من ناحية دينية و بنفس الوقت علينا أن نتبع و نتبنى التجارب الإسلامية التأريخية التي قام بها غيرنا و أثبتت صلاحيتها و أثبتت جودة مبدأ فصل الدين عن السياسة ، ضمانا للحريات الشخصية و حماية حقوق الإنسان.. كل هذه أثبتتت فعاليتها و صلاحيتها و ما الذي يمنع أن نستفيد من تجارب الآخرين ولا نبدأ كل مرة بإعادة العجلة إلى البداية.. فهذا يعني أن الإصلاح السياسي الإجتماعي يجب أن يتم بتبني التجارب الإسلامية الأخرى التي أثبتت مفعولها ، من ناحية و من ناحية أخرى كل العوائق الدينية التي ستقف و تعيق تبني هذه الأفكار الجديدة و التجارب الإسلامية الأخرى علينا إنتقادها و إقناع الناس بالتخلي عنها..

• كيف تعرفين تجربة (لجنة المسلمون السابقون في هولندا) ، هل بإمكان هذه اللجنة أن تجري تغييرا واضح المعالم على خارطة الحريات الشخصية ، و من ضمنها حرية إعتناق أو ترك الأديان ، و خصوصاً بين المسلمين؟ هل من جدوى من مثل هذه الحركات ، خصوصاً بين مسلمي الغرب؟ بكلمات اخرى ، في الغرب الحريات مكفولة بالقانون ، إذا بإمكان كل إنسان أن يعلن عن مثل التوجهات ، لكن الصعوبة تكمن في ظهور مثل هذه الحركات في قلب العالم الإسلامي ، إذا هل سيكون هناك تغيير لحركة مثل هذه و قد نشأت في الغرب؟


و حتى هنا في اوروبا هذه الحركات تواجه أيضاَ ضغط من جانب المسلمين المتشددين ، بالرغم أن الحريات من حرية تغيير الدين مكفولة بالقانون الهولندي و كل القوانين الأوروبية و إن كان ربما تعرفين في محيطك ، كما أعرف أنا في محيطي ، أناس حالياً تركوا الدين الإسلامي لكن لا يتجرؤون بالتصريح بهذا ، في الغالب يكون رد فعل المحيطين بهم و أهاليهم و في بعض الأحيان خوفاً من إنتقام المسلمين المتشددين ، فأعتقد أنه في أوروبا هذه الحركات مهمة جداً لمواجهة المسلمين بانهم يفتقرون إلى عدم السماحة ، بالرغم من أنهم يتوقعون من الناس الآخرين و يسالوهم منهم و يطلبون منهم التسامح في حين أنهم لا يدركون أنهم غير متسامحين على الإطلاق. فأنا أعطي أهمية كبيرة لنجاح هذه الحركات في غرب أوروبا ، لأن نجاحها و شعبيتها قد يؤدي إلى إمكانية تطبيقها ايضاً في البلاد الإسلامية.. لكن يجب أن يقبل من مجمل أو غالبية المجتمع الإسلامي.. لأنهم يدعون إلى مبدأ حرية الدين ، لكن يريدونها غذا كانت لصالحهم لكن معنى حرية الدين أيضاً هو حرية ترك الدين ، و ليس هناك اي معنى من أن يظل الإنسان مسلماَ خوفاً من الإنتقام أو من التهديد و الوعيد ، فبهذا يتحول الإسلام إلى سجن كبير ، و لا أعتقد أن هذا هو الهدف من اي دين..

• يعني تؤيدين هذه التجربة ، طيب هل هذا التأييد هو تأييد لممارسة حرية الإنسان في إعتناق الدين أو تركه ، أم أنه نابع بشكل من الأشكال من رفضك لبعض مباديء الدين الإسلامي و تفسيرات الدين و القرآن و من قبل الكثير من الأئمة و التفسيرات الخاطئة أو التي لا تنسجم مع روح العصر بشكل عام؟


في الواقع هو نابع من إيماني بمبدأ حرية الإعتقاد و حرية الضمير ، لأن الدين ليس له اي معنى ولا اي مفعول إذا لم يكن الإنسان مقتنع بشكل شخصي و عنده كل الحرية في هذا الإعتناق أو تركه.. انا أؤيد حرية المسلمين السابقين و تجربتهم ، لأن هذا حق إنساني لهم و للجميع و أنا أرجوا أن يحترم كل المسلمين هذا الحق. ربما تتابعين هناك صعوبات و هجومات مستمرة ضدهم و المصاعب التي تواجهها هذه اللجنة بينما أنا لا أرى اي سبب في عدم إعترافهم بذلك الحق الموجود بالفعل في القانون الهولندي؟ فإذا إقتصرت هذه الحقوق على مجرد حبر على ورق بينما هناك إنسان لا يستطيع أن يمارسها بسبب الخوف أو بسبب الإرهاب أو بسبب التهديد ستكون مجرد حقوق ورقية لا أكثر و لا أقل..

• ماذا ستكون نشاطات هذه اللجنة ، لجنة المسلميون السابقون ، خصوصاً أن أعضائهم المسيحيين أكثر من أعضائهم المسلمين.. لكن ماذا ستكون نشاطاتهم في المستقبل؟


في الواقع لا أعرف بالتحديد ماذا ستكون نشاطاتهم ، فأنا لست عضوة في اللجنة لكنني عضوة في اللجنة الداعمة لها ، لكن بتصوري أن المسلمين الذين تركوا الإسلام يواجهون ضغوط نفسية و إجتماعية كثيرة ، الكثير منهم يمارسون حياة مزدوجة ، بمعنى أنه في الظاهر بستمرون في الإدعاء بأنهم مازالوا مسلمين و في أعماقهم هم ليس لديهم اي إقتناع بالإسلام ، أعتقد أن كل مجموعة تتعرض لمثل هذه الضغوطات و هذا التقييد على حريتها ، لديها (أو لدى أعضاؤ اللجنة) الرغبة في الإلقتاء و تبادل التجارب و نوع من الدعم المعنوي ، هذا من ناحية ، من ناحية أخرى أعتقد أنه مهم لهذه اللجنة حتى لغير اللجنة ، و أنا شخصياَ أكتب كثيراً عن الحرية الدينية و على موضوع (في الإسلام معروف أن المرتد حكمه الإعدام) أنا أرى جحوفة هذا و كتبت مقالات إنتقادية كثيرة عن هذا الموضوع ، فأنصحهم أن يحاولوا أن يقنعوا بعض الجمعيات الإسلامية بأن تناقش هذا الموضوع بين أعضاءها.. فأنا أعتقد أن الشيوخ و الأئمة هنا أيضاَ يتحدثون في هذا الموضوع ، يعرفون المسلمين أن كل إنسان حر في إقتناعه و عقيدته ، و هناك من الآيات تقول أن لا إكراه في الدين ، و قسم آخر يقول أن كل من غادر أو ترك دينه فإقتلوه ، ففي كل الأحوال هناك تناقض واضح ، فعلينا أن نختار المبدأ الذي به إنسانية أكثر و هو أن لا إكره في الدين.. أنا أرى أنه ربما لجنة المسلمين و وجودها و كل وسائل الإعلام و كل الإهتمام الذي يحضى به ، سوف ينشط المسلمين بأن يفكروا في هذا المبدأ و يعترفون بهذه الحقيقة كواقع ، و بالفعل لا يمكن أن يكون هناك إكراه في الدين..

المصدر
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=119192