Tuesday, May 22, 2012

"تودد" و"الثورة التي لا تؤنث لا يعول عليها" (2): الضوء والمكان أو اللغة والمعنى / د. عبد الله البياري

"تدور ريتا حول ريتا وحدها:
لا أرض للجسدين في جسد، ولا منفى لمنفى إلا الوطن
في هذه الغرف الصغيرة، و الخروج هو الدخول
عبثا نغني بين هاويتين،
فلنرحل...
ليتضح السبيل
لا أستطيع، ولا أنا،
كانت تقول ولا تقول"

(محمود درويش – أحد عشر كوكبا)
لعلَّ شهرزاد في سردها الليلي الألف ويزيد بليلة، تؤرخ ماللحكي الأنثوي من فضاء في الثقافة العربية –سابقا و لاحقا، هو فضاء يتحدد بعنصرين:
- الضوء.
- المكان.
فشهرزاد لم يصلنا منها الحكي نهارا، بل أن صياح الديك بما يحمل من دلالات الفجر، هو مبتدأ سكوتها وتحول حكيها "المباح" إلى "حرام" يستوجب الصمت، فالنهار هو ملك الذكر، لا تنكشف فيه الأنثى، ولا تخرج إليه، إلا رمزا لا إنسانا في نسق ذكوري اللغة.  فزمنها محصور بالتمام و الكمال في الليل و العتمة، ومنه كانت شهرزاد – و إن رآها البعض انتصارا أنثويا- استمرارا ثقافويا للذكورية و الفحولة بانتصار أنثوي مرمز و مؤقت لايستوي لذاته بل لسياقه.
ولعل الخنساء، تمثل انتصارا ثقافويا آخر للذكورة، ولكن بأدوات أنثوية –أيضا-، فالخنساء التي خرجت بأبيات شعرها للنهار و الشعر في اصله ثورة ورفض وتمرد، هاهي الثقافة تذكر فعلها الشعري النهاري فقط، في ظل الرثاء لفقدان الذكر/الرجل/ الإبن-الأبناء/المقاتل/ المحارب. ليصبح شعر الخنساء حكيا أنثويا في ظل الرجل وإن خرج للضياء، ولكنه لم يخرج من حدود ظل الذكورة، ولن تزودنا الثقافة عن شعرها –الخنساء- الانثى/المرأة في غير موضع الرجل/الذكر ذاك شيئا، فأبقت أنوثتها حبيسة فقدها الذكوري في الذاكرة الجمعية العربية وادراكنا اللغوي الشعري.
ولعلنا لسنا بحاجة للـتأكيد على أن المرأة كائن اندماجي، أي أنها ليست كائنا ثقافيا مستقلا، بقدر ما هي كائن "إرتباطي"، إنها وسط الآخرين و فيهم ومنهم و بينهم وبهم عضويا، أي أنها بنت فلان وزوج فلان و أم فلان و أخت فلان، وهي جزء عضوي و مؤسس في بنية العائلة، وفي عمقها، لذا كانت لغتها الوحيدة هي الحكي و أداتها اللغوية هي اللسان. و الحكي –حكيها- لا يكون إلا للزوج أو الولد أو البنت محاطا بالسور العضوي للفضاء العائلي/الدم: أسرة /أهل/ بيت، ومن هنا كانت فكرة المحدد الثاني لفضاء الحكي الأنثوي: المكان.
إن خروج الانثى من ليل/عتمة "الحكي" إلى نهار/ضوء "الوجود"، سواءا بالكتابة أو الثورة أو الرفض أو غيره من الأفعال الوجودية، هو انتقال ثوري في ذاته يرفض حوصلة الذكر لها وإن بدت مريحة للأنثى وقدستها السماء وتأويلاتها، ويستبدلها بقلق وجودي ما، إذ يتركز وعيها الوجودي بذاتها، وكلما كان وعي الإنسان بذاته وجودا زاد قلقه، وزادت مقاومته للقوى التي تحاول نفيه أو استلابه. ولعل الصراع مع قوى النفي الذكورية للمرأة في فضاءنا العربي سواء من المكان المحكي أو المكتوب أو الثقافي أو الديني أو الاجتماعي أو السياسي، يعيد التأكيد في عموم الحالات وخواصها، أن القلق الوجودي دوما هو قلق مرتبط بـ"مسألة الحرية" كما يقر بذلك جلبير دوران وغيره.
وتلك المسألة إنسانيا بشكل عام و أنثويا بشكل خاص، لابد لها أن تخلق "حالة من الحوار" الذاتي أولا، و الآخروي ثانيا، و المكاني/الحيزي ثالثا، فيتلازم "القلم" (كأداة) و"الألم" كنتيجة، لا صوتيا أو مورفولوجيا فقط، بل دلاليا وارتباطيا كذلك، ولن تكون العملية التعبيرية عن الذات الأنثوية (تجليا لذات تفكر وتعرض و تقول ما تفكر فيه وماتعرفه فقط، بل ستغدو مظهرا لتبعثر الذات وانفصالها عن نفسها، إنها مكان كل خارج، لا باطن له، تنبسط عليه مجموعة من المواقع المتمايزة للذات)، بحسب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.
ولعل هذا مايفسر الربط العضوي بين الإبداع و الإكتئاب، ليقفز في ذهننا مجموعة من الأمثلة الذكورية الثقافوية أولا أمثال نيتشه وفيرلين وفان غوخ، و إنكسارات أبو حيان التوحيدي وابن حزم وعبدالرحمن شكري وغيرهم من المبدعين الذين إنتهى الأمر بهم إلى نتيجة تجعل الإبداع ذات علاقة شبه عضوية بالإكتئاب، ثم تحضر الأنثى في ظل الذكر الثقافي، لنتذكر إن تذكرنا بعد غنائم ذاكرتنا الذكورية سليفيا بلاث و ليلى صبار و فيرجينيا وولف وغيرهن.
إلا أن خروج الأنثى من ظلمة الحكي لضياء الوجود الذاتي، لا يتحقق وحيدا،  فتبرز الهيستيريا الذكورية اتجاهها بوصفها (جسدا) يوجد/يعبر/يتحدد/يحاور لكي يخترق قواعد الرمز الذكوري، ويتحداها، ويخلخل أنظمة المعنى ثقافيا وآليات إنتاجه، وهو ما يفسر مقولة مي زيادة إذ تقول: (إن تاريخ المرأة استشهاد طويل). وتعيد بقولها (ليس من ألم يضاهي ألم المرأة) لويز ميشال التأكيد على ذلك، ونشير إلى علاقة العقاد بصالون مي زيادة كمثال من بحر.
وقد عرف تاريخ الفن سوابق لطرح الوجود الجسدي للأنثى في فضاء المكان، وجسدها كجسد مستعمر ومحتل في الفنون البصرية في سبعينيات القرن المنصرم خصوصا في أعمال فريدا كالو. حيث يتحول ظهور المرأة (خروجها من ظلمة الحكي المجرد إلى ضوء التعبير الوجودي) وتمثيلاته إلى نتيجة ثابتة وطرفية في السياق الثقافي الذكوري، فمثلا يلاحظ مؤرخو الفن من الحركة النسوية أن مصطلح "فن النساء" يمكن أن ينطبق على التقاليد الفنية المرتبطة بالسياق العائلي من الإنتاج، وهو سياق –كما ذكرنا- يمثل امتدادا لحرمة التمثيل الثقافي المستقل خارج حدود الحكي الليلي و ألفة البيت وسوره، فالنهار استحضار الضوء، و الضوء أساس علوم المكاشفة، مثال ذلك "شغل اللحف" و "الطبخ" –الذي اقتحمته الثقافة الذكورية بمنطق حداثي-. وهنا وعلى الرغم من أن الأجساد الأنثوية تُستغل في انتاج مثل هذه الفنون، إلا أن تمثيل الجسد الأنثوي كأولى مشاهد الحضور (نهارا/مكاشفة/لونا/ تحررا) أو الاعتراف به ليس عنصرا محوريا في المنتج النهائي وادراكنا له بل يمكن إنفصاله عنه، فمصطلح (فن النساء) يشير إلى فن ينطلق من الفروقات الأنطولوجية في معرفة المرأة بمنطق أعلى و أدنى، وهي المعرفة الواقعة بين مطرقة اللغة وسندان الثقافة، بالغا الذكورة، وإن اتشحا بضمير أنثوي من باب التحايل.
وهو نوع لا يختلف كثيرا إلا في النعومة عن وسائل نفي الأنثى وتحجيم وجودها، وحصر دلالتها في الأداة/المادة المقيدة و ليس الرمز/القيمة الحرة، فنلاحظ مثلا أن بعض الفنانات استخدمنّ (ترميزا أنثويا أيقونيا للجسد) في أعمالهن بطريقة تشير إلى "حزام العفة" الذي كان سائدا في الثقافة الغربية، في نوع من المعادلة، لما زعمته الحركة النسوية الأنجلو أمريكية مثلا، من أن الصور الوحيدة المتاحة لأعضائهن التناسلية لاتوجد إلا في سياق طبي وعلمي، وهو سياق بالغ الذكورة.
فكان خروج المرأة من حتمية عتمة الحكي والكيانية الإرتباطية إلى ضوء النهار الثقافي والإستقلال، هو نوع من أنواع الصدمة و المواجهة للبنية الثقافية الذكورية المسيطرة، فكانت الحاجة لتحويل الحيز التعبيري للوجود الأنثوي في الضوء من "موضوع" إلى "ذات" لها صفاتها المميزة و الحاكمة، و التي تتحدد بيد الذكورة لاغيرها، فخرجت علينا "الحداثة" بمقاييس للجمال، لتحوله من نسبيته الحرة إلى وصفيته المقيدة بالبنية الثقافية المتغيرة، لنرى مثلا مسابقات الجمال التي تحولت إلى معيارية شكلية ووصفية وتنميطية (تخضع كذلك لبنية الانتاج وعلاقات رأس المال)، ولابد للذكورة أن تُنعم بها على الأنوثة، فيصبح المعيار و المقياس و منطق القيمة مذكرا بإمتياز، "بتصوير جسد الأنثى العاري بأبعاد مثالية" و"تقديم المرأة على أنها الآخر الغريب"، و"كمجال هامشي غير معروف" تحتاج الذكورة الثقافية على الدوام لتحديد مقاييسه ومحدداته ومعاييره، لا لذاتها ولا لجوهرانيتها، ولكن للمتفق عليه من الثقافة الذكورية لغة ووصفا، أي تملكا بصريا/وصفيا/ذاتيا/لغويا لكيان موضوعي، وفي النهاية فتلك البنية الثقافية التي تدعي الأنثوية هي بنية بالغة الذكورة.
ولذلك دلالته المركبة، فمن ناحية يتمتع الفن البصري بمكانة كبيرة في المجتمعات الغربية المعاصرة بوصفه شاهدا يعبر عن الواقع الإجتماعي، بما فيه من ميل لتأسيس مانعرفه عن ذلك المجتمع على مايمكن مشاهدته، وليس على علاقات وعمليات وسياق المشاهدة، وهو ما لايختلف عن منطق قطع الرؤوس و الأيدي في تماثيل الإناث في الثقافة الغربية، بما له من دلالة غياب الفعل/الأيدي وغياب الفكر/ الرأس (والعقل)، وتحول الكيان الأنثوي إلى حيز تطبيق للمقاييس الوصفية الذكورية أداتيا (جنساويا)، ولعل الأكثر شرحا لذلك التمثيل الثقافي للأنثى كان "بغماليون" الذي أعطى للتمثال المؤنث منتهى الجمال من حيث مقاييسه المادية/الوصفية (الجسدية)، لتتدخل الثقافة فيما بعد فتّمن على ذلك القبرصي، فتحيي له قطعته الفنية بعد طول دعاء وتمني، وهاهو "الحكيم" بعد أن ضاق بغماليون بأنثاه الضاجة بحريتها، يتضرع لتعود ذاتا في تمثال، فيعطيه –بحكمة- مايريد من سطوة الذكر على الأنثى.
إن الخطاب الثقافي الذي يتناول المرأة في الفنون التعبيرية، في بعض المجتمعات و إن كان يتناول المرأة بصورة معينة، نازعا عنها قيمتها الموضوعية وواضعا إياها في السياق المحدد سلفا بشكل وصفي / شيئي، فهو معبر فعلي عن واقع تناول الأنثى في بعض المجتمعات، إلا أنه ليس كذلك في مجتمعات أخرى، إذ تتحول الصورة التعبيرية عن الأنثى، لما يمكن تسميته حالة من "الإستلاب المضاعف"، بالسعي للتماهي مع "صورة" المجتمع مقدم الصورة الأصلي، وهو استلاب مضاعف من حيث:
1. استلاب للخصوصية الثقافية لصالح منتج وصفي لمجتمع آخر وثقافة أخرى وتمثيل خطابي آخر للمرأة.
2. استلاب للأنثى التي ترى في الصورة التعبيرية عنها انفصاما عن الواقع واختلافا جذريا شديدا، و هو إستلاب مبني على أستلاب أساسي في اعتبار الأنثى جسد فقط.
وهو ما نراه بجلاء في فنوننا التعبيرية في تناولها للأنثى إعلاميا وثقافيا وخطابيا و مجتمعيا، بشكل يزخر بالتكوينات وبالدلالات عبر وسائط بالغة السيولة و النعومة وقصر المدة الزمنية لصالح التكثيف الصوري و الرمزي، وتمثيلاتهما الغير محايدة (وهو ما يفسر تكثيف تحول الفنون الأنثوية إلى فنون استعراضية ادائية وليست فنية في ذاتها غذا ما قورنت بالفنون الذكورية).
وهو ما لا يمكن تجاهله في رد الفعل الذي بزعم الخصوصية الثقافية و الحضارية، يقمع الأنثى، وينتقل من تذرير المرأة وتسليعها باسم الحداثة و التحضر، إلى تخصيص المرأة وتشيؤها والتعامل معها كوسيلة لغاية أعلى وأسمى دينيا، وبالتالي حجبها وتنقيبها ونفيها عن الحيز التعبيري وجوديا، وهنا لا يختلف المنطقان من حيث كونهما يقومان على نفي الوجود الأنثوي من الحيز الجوهراني الخاص به، لحيز الأداة/المادة المملوكة، وهما منطقان يتطبقان فيما يزعمان من التناقض، في لا أخلاقيتهما وقمعيتهما، إذ تظل العلاقة بينهما علاقة صفرية غير منتجة، و إن كانا متساويان في المقدار و متعاكسان في الاتجاه، فهما من "نفس الجنس" القامع النافي الجنسي الجذر.
فالترميز الذكوري للانثى هو بحد ذاته عملية تختزل المرموز إلى محض بعده كموضوع، بينما يحتكر الرامز أو صانع الرمز كل الذاتية لحسابه، فالترميز يفترض أصلا بالموضوع المرموز أن يكون قابلا للتشكيل، أي مادة مطاوعة يحدد الآخر مضائرها، فتمتلك اللدائنية لا طاقة الحرية.
 "أمررْتُنَّ بالسُحب تُنْحَرُ بمدية الملاح؟
أمرَّتْ بكنَّ الحرابُ مقذوفة بلا تسديد، و الرياحُ مقذوفة، عشواء،
إلى الآبار الدفينة في الغيم؟
لَمْعٌ على شفاهكنَّ؛ أَحُزنٌ؟
لايُقاومَ حزنٌ؛ لايُقاوم الحزينُ.
ربما معارك نجدةٌ على شفاهكنَّ؛ معاركُ تحدِّثُ الشفاه بها الشفاهَ لَمْسا.
سعيداتٌ كالشبهة أنتنَّ،
الحدقات الثواني في عيون الساعات، و الصوت النبيذُ،
الذي لا يُهان."
 (سليم بركات – السيل)
 ثانيا: المكان لغة ومعنى:
"المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه"
(ابن عربي)
يلج الحيوان العالم بدوافع راسخة التوجه وغاية في التخصص، بشكل مقيد، لذا فإنه يوجد في "عالمه" محدود الإمكانيات، أي أن المكان له السيطرة على الكامن فيه بأدواته ومحددات الأخير، من قبل غرائزه و أدواته البيولوجية، فقد برمجت أجساد الحيوانات بحث توجد وتبقى ضمن "مكان"/بيئة بذاتها، في حالة من القطيعة التي تفرضها ثنائية "إما / أو"، حيث لا يمكننا مثلا ان نجد دبا قطبيا تأقلم في الصحراء الأفريقية.
أما عالم الإنسان فمفتوح نسبيا، فالبنية الغرائزية لدى البشر أقل تخصصية من تلك للحيوان، مما يعطي لعالمه –الإنسان- القابلية لتشكيل محتواه، ومعناه، خروجا عن ثنائية الـ "إما/أو" في جانبها المادي الصرف، إلى مطلق الفكرة الإنسانية: القيمة. فالإنسان يحيا في عالمه، محاطا بحشد من المعطيات التي تغمر ادواته الحسية في شقها المادي والمعنوي/القيمي، فيتعين عليه أن يسبغ على عالمه معنى وشكلا، ليستطيع البقاء فيه و التعايش معه.
ومن هنا يصبح المكان – أي مكان- "مكانا تعبيريا" للوجود الإنساني فردا وجمعا، وتلك خاصية بدأت مع بدء الخليقة و الإنسان البدائي ولعل أبرز أمثلتها ماعرف بـ"رسوم الكهوف" وإن لم تكن الأقدم.
 إي أن الحيز التعبيري للإنسان ليس إلا ممارسة جمالية، هو المجال الذي يصبح فيه إنتاج الدلالات الحسية والرموز هدفا في ذاته ولذاته،  وهو بذلك يشكل "المعنى" باعتباره الغاية الأسمى و الأهم للحضارات، فإذا انفصلت عاطفة الحب عند الإنسان عن رموزه وصوره وتخيلاته التي تعطيه المعنى و القيمة و أساطيره المحبوكة حوله افتقر مفهومه، حتى أصبح مجرد رد فعل "مادي" حيواني على مؤثر خارجي، ويصبح المكان حينها مجرد حيز "بيولوجي".
فالمكان الذي يحتوي الإنسان (فردا وجمعا) يعبر عن ثقافته، باعتبارها نظاما رمزيا تخيليا يحدد القيمة الأولى للمعني و الدلالات القائمة و التي يعاد تركيبها وتفسيرها و تقديمها حسب النظم الذهنية التي تدخل فيها، وهو نظام يرثه الفرد وترثه الأجيال، كما أنه كيان حي يؤثر و يتأثر،، وهو من بين جميع النظم العقلية الأكثر مساواة بين الأفراد، والأكثر حرية وعفوية وانفتاحا، فاستيعابه لا يشترط اختصاصا كالنظام العلمي، ولا تربية قاصدة كالنظام الاعتقادي (وهنا يظهر عوار ما يسمى بـ"أسلّمة" المجتمعات و الثقافة وتهافتها)، إنما تكفي فيه مباشرة الحياة في مجتمع ما و التأثيرفيه و التأثر به، ومشاركته أترابه رؤيتهم للمناظر نفسها وسماعه للأصوات نفسها، وتخيله القصص والأساطير نفسها، ومعاناته التجارب ذاتها، وشعوره ذات المشاعر، وتخيله نفس القصص والتصاوير، بل وتاأره بالمناخ ذاته.
أي أن الظرف الجامع هاهنا (ماديا و معنويا) يخلق نوعا من الزمنية المشتركة، والجامعة، تلقي بتفاصيلها الخطابية (معرفة وثقافة و اجتماعا وغيرها) على المكان، وهنا تُخلق ما يمكن تسميته بـ "حالة حوار"، ويشترط لتحققها في الزمان و المكان التالي :
1.لغة.
2. معنى.
قد يقول قائل، أن اللغة -أي لغة وليست المنطوقة/المسموعة إلا إحداها- وظيفتها الأهم "إيصال المعنى"، وذلك صحيح، فبدون المعنى لا توجد اللغة، ولكن ذلك التجريد قد يغفل عما يمكن أن تمثله اللغة، من وسيط يسهل تحوله إلى زمنية جامعة أو/و أداة قمع، لا تخلق حالة حوار، بل تحول العلاقة بين ساكنيها إلى مرسل ومستقبل فقط.
ولعل أبرز الأمثلة التي يهمنا تناولها هنا وعلى علاقة بالسياق، في ما يتعلق بــ"المكان" وتحوله إلى لغة قامعة، لا تنتج حالة حوار مع ساكنيها – واللغة سكنى-،  هي "المدينة" وما تحمله من دلالة على امتداد التاريخ الإنساني، فما من طاغية إلا وارتبط اسمه بفضاء "مكاني/مديّني" جامع، يطبعه بطبائعه، ويحول ملامحه إلى ملامحه، فيغرقه بصوره ومدائحه وخصال علومه وعظمته. فمن منا يستطيع فصل روما عن نيرون، وبغداد عن هولاكو، وستالينغراد عن هتلر، وغيرها.
 ولكن السياق هاهنا ليس سياقا مجرد، ففي ذلك التجريد نوع من الاختزال و الإقصاء، إذ يتعامل مع "المدينة" (باعتبارها "المكان" في هذه الحالة) وكأنها كيان ثابت، لايتغير و لا يتحول و لا يحاور ولا يتحاور، وهي ثبوتية غير صحيحة، تؤدي لإعطاب النسق الجامع (الناطق و المنطوق)، فروما أحرقها نيرون، وستالينغراد دمرها هتلر، وبغداد أغرقها هولاكو في دمائها وحبرها فأبكى شريانيّها النهرييَّن، إلا أن روما ماتزال موجودة، وبغداد زارها هولاكو آخر أكثر من مرة ودحرته، و ستالينغراد ضربت أروع الأمثلة في الصبر و المقاومة. أي أن العلاقة بين المكان/المدينة والطاغية، ليست علاقة ثابتة أو صلبة، بل هي علاقة حية و متحركة لأنها حالة حوار.
وبالعودة لذكورية اللغة و أنثويتها، و اعتمادا على دراسات علم النفس، التي تناولت الجانب الجنوسي للغة وعلاقتها بالمشاعر (ولعل أشهرها تجربة إيان ميتروف وغيرها)، والتي إعتبرت أن اللغة التي ينتجها المنطق الذكوري هي لغة "إخبارية"، أي أنها تهتم بالإخبار عن المدلول، إخبارا وصفيا/ماديا/صلبا (يغلب عليه الجانب الوظيفي)، في حين اللغة التي ينتجها المنطق المؤنث هي لغة "تخيلية"، أي أنها تهتم بتخيل المدلول، تخيلاَ صوريا /لونيا/مكانيا، بعبارة أخرى، وجدت بعض الإحصائيات أن الرجل يستخدم لغة رقمية/خرائطية في إدراك مكانه و وصف طريق ما إلى موقع بذاته (كأن يشير إلى عدد الشوارع أو إسمها) في حين أن الأنثى تستخدم لغة حدسية/مكانية في وصف نفس الطريق إلى ذات الموقع السابق (كأن  تشير إلى أشكال الشوارع و/أو إتساعها/ضيقها أشكال البنايات و/أو ألوانها تفاصيل شكلية في الشارع/المكان)، ولعل هذا ما يفسر دروج القول المجتمعي (لا تسأل إمرأة أو عجوزا عن الطريق).
إن اللغة التي ينتجها المنطق الأنثوي لغة أكثر تراكبية وحملا للمشاعر، وبالتالي فهي الأقدر على خلق حالة الحوار مع المكان، من تلك اللغة التي ينتجها المنطق الذكوري، الذي يعتمد الوظائفية الصلبة، و الإخبارية المادية.
ولعل لذلك أهمية بالغة في تناول علاقتنا بالمدينة/المكان من حيث أنها فضاء جامع له وجهين:
- وظيفي: حيث أن المدينة مكان يحقق "حيز إتمام الوظيفة البيولوجية" لقاطنيه بما يضمن بقاؤهم بالمنطق البيولوجي، فكان شرطا للمدينة أن تحقق السكن و الغذاء و العلاج و..و..لضمان البقاء الصنفي لقاطنيها.
- تعبيري: وهو الأقرب للسوسيولوجيا المجتمعية باعتبار الإنسان كائن ينتج مالايمكن لغيره من الكائنات الحية المشابهة له في الطبيعة وهو ما يعرف بـ"الثقافة"، وما تحتويه من مساحات تعبيرية و حوارية مع الإنسان فردا/ذاتا وجماعة/موضوعا.
المكان لغة تحاور قاطنيها، و كذلك المدينة، فإن غلبت على ذلك المكان/المدينة اللغة الذكورية، أصبحت مكانا وظيفيا لا يخلق حالة الحوار التي يمكن إعتبارها العنصر المؤسس في الإنتماء (ومن ثم الهوية) لمكان ما دون غيره.
 فإن نظرنا إلى الوطن باعتباره أرضا نعيش عليها بالمنطق البيولوجي فما الفارق بين وطن ووطن، ولماذا يحمي الجندي حدود ذلك الوطن وليس ذاك مالم يعنِّ له شيئا؟؟!! (وهنا يجب أن نشير إلى عوار منطق بعض رموز اليسار الإسرائيلي الذي يدعي أن الفلسطيني يملك إشكالية مع تعريف ما يسمى بالوطن).
ولتأنيث الأمكنة في أوطاننا باعتبارها فضاءات تعبيرية وليست وظيفية (كما تدعي العولمة بأن جعلت مدننا جزءا تعبيريا لنموذجها المسيطر، ووظيفيا لنواة فاسدة تضمن الوكالة عنها)، في حراكنا الثوري عربيا دلالة ثورية، باعتبار أن "الثورة تقوم رفضا لحالة الاستلاب والاغتراب الذي يعايشها الإنسان في مجتمعه ووطنه وثقافته ودينه"، أوليس كل هؤلاء أمكنة تعبيرية. إن المثال الأوضح لتأنيث الأمكنة في مدننا العربية خلال الثورة وتاليا لها هو فن الغرافيتي، الذي ينقل الحوائط من لغتها الذكورية الممعنة في الوظيفة و الإخبار اللغوي، إلى لغة أنثوية واسعة التخييل، وهو ما ينعكس على:
- حالة الحوار الذاتي مع الأمكنة لتصبح الأمكنة أقرب لقلوب قاطنيها فهاهي تعبر عنهم وتتحدث بما يرونه (قبلوه أم رفضوه) وأبلغت عن فكرة لا إخبار فيها، إنما تعبير وتخيل.
- حالة التعبير: الحوائط تحيط بفضاءاتنا الجامعة (شارع / منازل / ميادين / مؤسسات عامة / محطات / أحياء وغيرها) و بالتالي فهي تعبر عنا، تخبر عنّا ما نعانيه، ولعلها الأصدق في الإخبار، فليس بمقدور الأنظمة والحكام والجنرالات أن يقبضوا لا على الحائط ولا على الفكرة، لذا فحوائطنا ألسنتنا.
وتلك الإسقاطات هي التي تفسر لماذا وجب تحول المكان الإفتراضي (الإنترنت و الشبكات الإجتماعية) للثورات العربية إلى مكان فعلي ملموس ومسكون، و اقتصار دور المكان الإفتراضي على أنه دور الموصل إلى المكان الفعلي، والزمنية الجامعة التي يخلقها، وهو نفس الدور الذي أدته الفنون و الآداب، دون تمام الإنفصال عن التعبيرية الثورية وقدرتها على خلق زمنية جامعة و توعوية.
إن ما سبق يفسر لماذا تصر الدول التي تدعي حماية الفنون و حقوق التعبير عن الرأي أن تعتبر فنون الغرافيتي خروجا عن القانون، تحت تهمة ادعاء مطاط: "الإضرار بالممتلكات العامة"، وكأن عموميتها هي للسلطات و ليس للسان حال تلك العامة فعلا. ففي مصر مثلا، تتوحش السلطة العسكرية في تذكير المكان ومنع تأنيثه، بمطاردة هستيرية لفنون الغرافيتي في الأحياء وطلائها بلون يدعي الحياد موتا : الأبيض، وهو ما تكرر في طولكرم، حيث أزالت البلدية غرافيتي داعم لحراك الاسرى الجائع للحرية.
الغرافيتي يعد إنطاقا للمكان، و حالة حوار معه، ليعود للمكان والكامن فيه تلك العلاقة التي يلتقيان فيها كلٌّ له خصوصيته، فيحاور أحدهما الآخر، و يتسع وجود الجدران لما يفوق حيزها الوظيفي لتكون حيزا تعبيريا ينطق بلسان حال قاطنيه، ويعبر عنهم، بمنطق أنثوي التخيل، لا ذكوري الوظيفة.
وأمكنتنا التي نحيا في خضمها في أمس الحاجة لإعادة تأنيث لتعبر عنا، فلا تصبح فضاءاتنا الجامعة استنساخا استهلاكيا معولما ونيوليبراليا، يُحَدد لها ما يجب أن تقول وما لا يجب أن تقول ويسهم في ترويض الشعوب و الأفكار والتفرد و التميز بحسب ما يراه الباحثان ستيف نيفا و أنطونيو نيغري، خاصة بعد فترة الثمانينيات التي شهدت بعض الحراكات الشعبية. ولعل مطاراتنا ومراكزنا التجارية من أكثر فضاءاتنا الجامعة تدليلا على ذلك، فالمراكز التجارية التي تحولت إلى سلعة في ذاتها تتنافس فيها العواصم الإستهلاكية جاعلة من دبي و عمّان و القاهرة و بيروت مكانا إستهلاكيا واحدا متماهيا، تغرق في علامات تجارية ليست لها ولا تتحدث معها وعنها، ولا تأتي وحيدة أبدا و تفاصيل معمارية مفككة تتدثر بالموت معدنا وزئبقا، وهي تسرف في تلك "النهايات" تذكيرا لنفسها أمام كل صيغة تفضيل كـ"أكبر بناية" و"أعلى..." و"أغلى..."و..و... بأن الإنسان ضئيل جدا.
وكذا أيضا مساكننا، التي من لغتها "نسكن" إليها (وربط النص الديني السكنى بالأنثى لغة أيضا) أو هكذا يجب، هي كذلك حالة من الإنتفاء و الاستلاب فنحيط أنفسنا بالأسوار، و البوابات والحوائط، لا لنحمي أنفسنا بل لنقيدها، ونصبح امتدادا أكبر لسياسات تفرقنا، وتؤكد على استقطاباتنا المفرقة وليس اتفاقاتنا ومشتركاتنا. ولعل المسكن/المكان الذي لطالما كان لصيقا بمعاناتنا اليومية تحت الظلم و القمع و القهر، خرج من حيزه الوظيفي البيولوجي إلى الحيز التعبيري، فقط عندما اكتشف المصريون والتوانسة والفلسطينيون والليبيون واليمنيون والبحرينيون أنهم معا يستطيعون حماية أنفسهم وإقامة "لجان شعبية"، إذ قال مكانهم: همومكم واحدة و قهركم واحد وظالمكم ذاته... وأنا جامعكم وأنتم جامعي.
وفي سوريا مثلا كانت شرارة الإنتفاضة أن نطق سور مدرسة إبتدائية في درعا فخرج عن وظيفيته الذكورية إلى تعبيريته الأنثوية، بأنامل أطفال، هزت عرشا و أجفلت بنادق فقام لها نظام كامل، بكامل عدته و عتاده، لينزع أظافرها، ظنا أن للحلم شريان يقطع، وظفر يقلَّم.
وها هي في البحرين نفس العقلية القمعية الممعنة الذكورة والجنوسة، تدمر فضاء جامعا لا لشيء إلا لأنه عبر عمن فيه، فأصبح لؤلؤة، إذ لا يمكن فهم تدمير ميدان اللؤلؤة إلا بكونه إخراج للبحرينيين من ذلك الفضاء الذي جمعهم وعبّرعنهم، إلى ما يفرقهم.
وفي الأردن قرر المعتصمون أن يتظاهروا في "دوار الداخلية"، ولعل أبرز مطالباتهم بكف يد الأمن تبرر اختيارهم للميدان ذاك تحديدا باعتباره مكانا جامعا معبرا عنهم و عما يطالبون به أملا للبلاد، وليس مكانا وظيفيا قد يتشابه مع الكثير من الأمكنة في البلاد، التي تحولت من "فضاء" إلى "حيز".
في الخاتمة، كم نخسر المرأة باعتبارها إنسانا، و كم يخسر الوطن نفسه حين يُرمز له بكيان لاحيرة له.
"قل كلمتك و امش معها" – (حكيم قديم من بلادي).
نظرية كارل يونغ في الأنماط السلوكية:

وصف يونغ أربعة مناح للتوجه نحو العالم: "التفكير" و "الشعور" و "الإحساس" و "الحدس"، ونظر إليها بشكل محورين (كما في الشكل أعلاه)، فوجد أن الإنسان يطور وظائفه واحدة تلو الأخرى، فيبدأ مثلا من وظيفة واحدة (تسمى عادة مَلكة)، ثم مع النضج و الانفتاح على الآخر، وحالات الحوار (ذاتيا وآخرويا) يطور وظيفة مساعدة، فمثلا نجد نمط "التفكير"، يطور "الاحساس" كوظيفة ثانية، وفيما بعد قد يطور وظيفة ثالثة من المحور نفسه بوصفها وظيفة (مساعدة)، وهي "الحدس" في هذه الحالة، وبالتالي وُجد أن آخر ما يتم تطويره هو الوظيفة المقابلة/المعادلة، وهي في حالتنا "الشعور".

No comments:

Post a Comment